الخميس، 17 يونيو، 2010

هكذا حكت لي أمي


تربت أمي في قرية وكان جدها لأمها عمدة القرية ويُقال أنه هو منع الإنجليز من دخول القرية الكبيرة التي تركت أمي سكنتها مع والدها الذي انتقل لقرية جديدة هو أول من سكنها ومازال حتى الآن أولاده وبعض إخوته هم من يسكنوها فقط وسط أرضهم الزراعية وفيها كانت حياة أمي الطفلة الصغيرة حياة ريفية حكت لي أمي عنها وعن صفات القرية وقتها وكيف كان الناس يعيشون: قالت لي كان من العيب أن يمر أحد على البيت ولا يدخل ليتناول الأكل في بيتهم وهذا كان طبع أهل القرية - سألتها بالطبع عن أنهم قد لا يكونوا على استعداد لاستضافة أي غريب بصورة مفاجئة فقالت لي الجملة الشهيرة " الجودة بالموجود حتى لو كان طبق جبن مع نبات السريس الذي يزرع على حافة قنايا الحقول " ، وحكت لي أمي عن أن الحياة كانت بسيطة للغاية فلم تكن هناك سيارات وكانت إحدى وسائل المتعة القليلة لدى الشباب عند السهر هي السطو كل يوم على حقلٍ من الحقول وإيقاد الراكية والقيام بشوي ما سطوا عليه من الذرة وشرب الشاي والقهقهة طوال الليل وسط الحقول حتى الفجر، قالت لي أمي " كانت الحياة بسيطة للغاية ولم تكن هناك كهرباء " فكان عمها الأستاذ الجامعي الذي تولى عمادة كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر فيما بعد يذاكر على مصباح الجاز وكان يذاكر أحيانًا بين الزراعات وذات مرة أتى أحد الفلاحين ممن يستأجرون إحدى القطع ضمن حقل جدي بسرقة بعض الشمامات الكبيرة وقام بدسها وسط القش لينهي أعماله في الحقل ويعود بهم بعد تخبئتهم في الغبيط وهو هذه الشيالة التي كانوا يضعوها على الحمار فكان أن لمحه عم والدتي فتركه حتى فعل ما فعل وذهب ومن ثم أحضر أمي لكي تحمل كل ما قام بتخبئته هذا الفلاح إلى الدار، وفي آخر النهار هاج الرجل وماج حيث لم يجد ما قام بدسه في القش وهنا قام عم أمي بمناكشته قائلًا له " مالك يا محمد زي ما تكون سرقت سريقة وحد سرقها منك ؟! " 
وهكذا كانت المناكشات بين الناس كان دمها لطيف وخفيف ولم تكن تحمل الحنق والحقد ، قد تسألون عن مصير الشمامات إياها ؟ 
وسأقول لكم أنها ذهبت لمن قطفها في البداية.
ربما لم أستطع أن أحيك نفس سليقة أمي وهي تحكي والتي ذهبت مع عمها بعد ذلك لتكمل دراستها الإعدادية في مدرسة خاصة بقصر النيل بالقاهرة ومن ثم عادت لمدرسة أمريكية في المرحلة الثانوية بمدينة طنطا لم تظل على حالها كثيرًا وتحولت لمدرسة حكومية واستبدلت المناهج والمحاضرين الأجانب بمواد ومحاضرين مصريين ورغم هذا ظلت السليقة والطبيعة الغالبة على أمي هي طبيعة أهل الريف إذ ارتبطت أمي به كثيرًا منذ صغرها ولهذا سأخوض معها جولات لأحاول وضع تصور لحال القرية المصرية ونمط الحياة به وكيف كان الناس يعيشون الحياة البسيطة براحة بال وبسعادة وهناء رغم قلة المُرفهات وقلة الموارد في الربع الثالث من القرن المنصرم. 

هناك 9 تعليقات:

  1. جميل البوست جدا

    لان انت بتحكى عن حياه حقيقى نحتاجها هذة الأيام

    حياة تمنيت ان اكون جزء منها

    حياة كانت جائزة جميلة لمن عاشوها و رأوا الحياة الأن

    جميل

    بالتوفيق و ربنا يخليلك الوالدة و دائما تستقى منها كل ما هو جميل

    ردحذف
  2. جميل الوصف ربنا يخلي لك والدتك - أنا قرأت تعليقك الاخير وأتفق معك فى كل حرف من أوله لاخره وبصراحة أنا عندى شعور بالصدمة من التصرفات وأستغرب التصرفات والحملات ضد جريدة المصرى اليوم وجروب لمقاطعتها والشتائم التى لاتنتهى - والتى لن تصل بنا الى أى شىء - يارب تزيل هذه الغمة

    ردحذف
  3. ازيك يا أحمد،،، شكل المدونة الجديد رقيق للغاية،اختسار جميل،،،
    الجودة من الموجود: جملة جميلة وعملية جدا وتعكس رغبة الناس الاصيلة واصرارهم على اكرام الضيف،
    حكايات الهل ثروة حقيقية، حفظ الله لك والدتك يا احمد وربنا يوفقك

    ردحذف
  4. أستاذ رامي

    دائماً أقول أنه وبرغم أي شيء ما زالت الدنيا بخير

    على كل حال الريف تغير الآن ربما الحداثة والمدنية التي حلت عليه هي من جعلت هذه السرعة تصيب العلاقات بين البشر بمزيدٍ من التوتر .. ربما

    ===============

    مدام منى :
    أكرمك الله

    والله أنا كذلك متفق معك تماماً في كل كلمة الله المستعان .. حسبنا الله

    ==========

    دكتور : إيناس
    تعرفي كنت ناوي أسألك والله على القالب الجديد
    على كل حال شكراً لكِ

    وماذا عساي أن اقول لكِ في الباقي .. أطالع التعليقات وأبتسم

    شكراً من جديد لكِ وللجميع
    وبوركتم على الدعاء لأمي الغالية حفظها الله

    ردحذف
  5. ربي يخليلك الوالدة ويخليك لها ...متعتونا بهذه الحكايات وفي انتظار بوست زيارتك لجدك ربي يحفظه و النحل ...خالص تحياتي

    ردحذف
  6. الفاضلة : كلمات من نور
    حفظك الله وبارك بكِ وفيكِ .. أشكرك على الدعاء لأمي الغالية وإن شاء الله عن قريب سأضع تدوينة النحل وزيارتي للجد وسأكمل حكايات أمي كذلك

    ردحذف
  7. اصحى يا نايم ووحد الدايم ..

    (حملة الجسد الواحد)

    أرجوا من المدونين الموقرين أن يضعوا شعار الحملة واسمها في الشريط الجانبي لمدوناتهم كدلالة على وحدة صف أمة محمد

    لمزيد من المعلومات

    http://dndanh111.blogspot.com

    جعله الله في ميزان حسناتكم .. آمين

    ردحذف
  8. عرض جميل يااحمد

    ردحذف
  9. الفاضلة أم الخلود وسمراء
    شكراً لكما

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد)

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.