الجمعة، 13 أغسطس، 2010

يِفتي في إبرة ويبلع مِدرة !

قررت بالأمس*1 أن أزور قرية حوين بمركزِ الرياضِ منْ أعمالِ محافظةِ كفر الشيخِ، حيث تعود جذوري القروية، وكنت أنوي زيارةً قصيرةً لساعاتٍ، أصلي العصر في المسجد الكبير وأسلم على الجميع هناك، ومن ثم أذهب لبعض الأحبة وعلى رأسهم جدي فحديثه الشيق بين زقزقة العصافير المتناثرة على أغصان الشجر المحيط بمنزله الكريم يمنحني هذا الشعور بالسكينة والدفء، وأفضي إلى أعماق أعماق ذاتي، أخاطبها بود فترد علي بكرمٍ بالغ، وحينها لم أستطع أن أتجاهل هذه المشاعر فأخذني الوقت مع حديثه الذي امتدَ من بعد العصر بقليلٍ وحتى قرب العشاء.
وحينها رأيت أن أقلبَ في أوراقِ تاريخ أسرتي وأجيالها القديمة معه، وفكرت أن أقلب في دفاتر أسر القرية كذلك، فحكى لي عن إحداها قائلًا: كانت تلك العائلة تمرحُ في أراضيها وظلت أجيالها المتلاحقة لا تضيف لها حيث عمد من تولى تربيتها أن يجعلها متواكلةً لا تصنع قوت يومها بنفسها، ربما وهو ما نميل له بشدة أن هذا كان عن حسن نية وبحميمية مشاعر الأبوة الفياضة، لكنها كانت كالدب الذي قتل صاحبه، حيث خرجت هذه الأسرة متواكلة لم تزِد رأسمالها الكبير بل تشتت فيما بعد مع التطور الأيديولوجي لتمدد الأسرة ورغبة أركانها في الاستقلال فخارت قواها أكثر وأكثر - ربما شَبت أجيالٌ لاحقة كان لها رأيٌ آخر، لكن تبقى حقيقة وهي أن التربية اللينة تهدم ولا تصلب وكذا فالقسوة تُخرجُ بشريـة خَاوِية، ومحملة بأعباءِ الكبت والعقد النفسية، وربما تهدم أكثر من اللين، لكن تلك الأخيرة لا تعنيني هنا فاللين هو مقصدي من هذا الحديث، وما أنشده من نمطٍ مضادٍ له هو ذاك الذي يَشُد على عود الفرد ليخرج مواطنًا صالحًا، يملكُ أن ينهض بنفسه دون الحاجة لمن يُلَقِمَه الخطوة تلو الخطوة.
دعوني أطرق باب عنوان تلك السطور، وربما يكون هو السبب الرئيسي لهذا الحديث حينما هممت بسؤال الجد الغالي: ماذا تعرف عن هذا المرحوم صاحب الاسم الرنان الذي سمعت عنه ولم أشاهده ؟ ... فكانت إجابته تلك : يفتي في إبره ويبلع مِدرة، ولم أكن أعرف معنى المِدرة كذلك فقال لي: هي تلك الأداة الكبيرة القديمة التي تشبه الغربال حيث يتم حسب سليقة أهل الريف: تدرية الغلة فتخرج الحبوب في جانب والتبن في جانبٍ آخر، والمقصد أن هذا الرجل ذائع الصيت والتاريخ كان لا يعرف من أمره رغم جلال قدره المزعوم وَسطْ أمة ترزح تحت نير الأمية سوى رفائع الأمور ولا يُدرِك رغم مهابته الكاذبة سوى قشور الهموم، فلا هو كان عُلِمَ كيف يعتمد على نفسه وبالتبعية لم يُعَلم من تلاه، وتركهم لتفسد الدنيا فيهم كيفما تشاء أو تعلمهم كما ترى!
وضرب الجد لي مثلًا أَفسدَ كل تلاشي لوضوح الصورة لتبين تمامًا تمامًا حيث قال " أراد ذات مرة هذا الكائن الخارق كما يُشيع هو وبعضًا من الجهلاء وضعاف البصيرة، أن يمر على أرض والده الواسعة التي ما فكر والده أن يُبصرَ فلذاته عليها وكيف تُدار ؟ فكان هناك من يتولى أمرها نيابةً عنهم - فاشترى فَرسًا من حصالة والده التي تنزف باستمرار ليركبها ومر على إحدى الغيطان*2 فرأى هذا الفلاح الهمام يكد في أرضه ويُقَلم الذرة ليضع فضلاتها للماشية فَهَم عليه يضربه مانعاً إياه من تقليم الذرة فسأله الفلاح عن السبب ؟! فقال له "متعملش كده في أرضي فهاج الفلاح قائلًا: أرض مين؟! ده أرضي !!! ، ليرد عليه هذا الكائن الخارق: أمال أرضي أنا فين ؟!" ليشير عليه الفلاح مُبَصِرًا إياه بعدد الأميال التي تفصل أرضه عن أرض الفلاح المكد "
لتصبح هذه الحادثة في وقتٍ ما أضحوكة القوم
وحيث عاشت هذه الأجيال في فترة موازية تقريبًا لفترة المد الاشتراكي فقد لاقى هذا هوىً بداخلي لكي أربط هذا النموذج الأسري في التربية غير المبني على دراسات أو نظريات علمية بآخر بُني على فلسفات ونظريات وأُسست عليه حضارات زعم أحد روادها أنهم قبل إتمام المائة سيتملكون العالم أجمع فإذا بحضارتهم تنهار عن بكرة أبيها قبل مرور خمسين سنة وهنا أقصد الاتحاد السوفيتي معقل الفكر الاشتراكي.

وكما أرى وأزعم أن مجتمعنا ورثَ عن الفكر الاشتراكي ولأجيالٍ متعاقبة فقه التواكل لا التوكل، وشتان الفارق بينهما، وتغلغلت ثقافته بداخلنا حتى أصبح كل فرد يخرج إلى الدنيا ليظن أن الآخر مسئولًا عنه من المهد إلى اللحد، سواء كان هذا والدًا أو معلمًا أو حاكمًا بأمره، وربما يلحظ البعض تأييدي للنظام الرأسمالي وليس التأييد المطلق لكنه على كل حال يبني المجتمع وينهض بأفراده ليكون كل فرد دولة في نفسه.

هامش
*1- كان هذا في غُرة شهر رمضان المبارك من عام 1431 للهجرة.
*2- جمع غيط وهو الحقل

هناك 7 تعليقات:

  1. هل بعد هذا الكلام تعليق التواكل وتغلغلت ثقافته بداخلنا حتى أصبح كل فرد يخرج إلى الدنيا ليظن أن الآخر مسئولاً عنه من المهد إلى اللحد سواء كان هذا والد أو معلم أو حاكم بأمره ، وربما يلحظ البعض تأييدي للنظام الرأسمالي وليس التأييد المطلق لكنه على كل حال يبني المجتمع وينهض بأفراده ليكون كل فرد دولةً في نفسه . عودتنى أن لا تعليق عليك
    ذادك الله ثقافة

    ردحذف
  2. تدوينة غنية لا يفيها تعليقٌ حقها

    أسعد الله صباحك

    ردحذف
  3. الفاضل : علاء المصري
    كلماتك تاج على رأسي ... بوركت على الدعاء ولك مثله بإذن الله

    =============
    الفاضلة : Unique
    وتعليقك أغناها كذلك

    أسعدكِ الله

    ردحذف
  4. السلام عليكم
    يا بختك زرت الريف قريبا
    أيا كانت الأحوال و التواكل الموروث أو القادم بالطفرة من الخارج
    أكيد كان وقتا جميلا

    ردحذف
  5. وعليكِ السلام دكتور إيمان

    نعم كان جميل أنصحك باستغلال أي فرصة للقياه

    ردحذف
  6. حلو المثل أول مرة أسمع به بجد فعلا مثل حقيقى وينطبق على العديد والعديد - تحايتى

    ردحذف
  7. أها . صحيح
    عاش من شافك مدام منى .. رمضان كريمِ عليكِ وعلى كامل أسرتكِ يا رب

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد)

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.