السبت، 21 أغسطس، 2010

نأكل الطعام بدون مِلح ولا نشتري مِلحهم

" نأكل الطعام بدون مِلح ولا نشتري مِلح العدو ، نمشي على أرجلنا ولا نركب سياراتهم " كانت تلك بعضًا من شعارات غاندي التي نال بواسطتها للهند استقلالها من براثن الاحتلال البريطاني حيث كانت أكبر مستعمرة للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس وكان إنتاج المصانع البريطانية يُباع بسخاءٍ مطلق في أرض مستعمرتهم الكبيرة ، وحينما فجر غاندي ثورته السلمية وتبعه الشعب تدهورت حالة المصانع في بريطانيا فثار العمال ورجال المال هناك على الحكومة حتى رضخت لمطالب غاندي في النهاية وسلمت للهند مفاتيح حريتها. 
وحيث كان يردد غاندي هذه الشعارات في النصف الأول من القرن المنصرم رددتها أنا أيضًا في مرحلتي الثانوية - كان حماسي وقتها في أوج اشتعاله، وكنت أزعم أننا نستطيع كفاية أنفسنا والصعود لدفة القمر وما أبعد منه لو استغنينا عن المنتج الأجنبي فكتبت المنشورات الداعمة للمنتج الوطني ووزعتها على المحلات ورددتها في الإذاعة المدرسية التي كنت أشرف عليها بالكامل خلال كل مراحلي التعليمية حتى أنني فوجئت بأخصائية الإعلام بالمدرسة تُنبهني لعدم تكرار ما رددته فلغتي الخطابية المتحمسة وقتها كانت تفوق أي تخيل! 
فلم أهتم لأمرها واستمر لساني حتى حذرني آخرون ، واستمر بي الحال هكذا حتى أفقت من هذا الوهم الكبير الذي عشته في صدر حياتي وقتها. 
نعم أفقت وآمنت أن الاقتصاد لا وطن له، وأن لغة العواطف في التجارة ورأس المال لا قيمة لها، وهذا اليقين لم ينبت من فراغ فقد تَجَولت عيني بين دول العالم لأجد العلاقات قائمة على لغة المصالح وأنه لا وجود لمعنى الدولة العظمى التي تصنع كل حاجاتها، حتى بريطانيا العظمى واليابان، بل أدركت أن حضارتنا الفرعونية الخالدة كانت تستورد من الفينيقيين ما لذ وطاب من العطور والبخور وأخشاب الأرز، وتُورد لها كذلك فبَنت علاقة مصالح معها لا علاقة عواطف.
عرفت وتيقنت بأن صاحب المال يستثمر في دولة والدولة التي تمنحه فرصة نمو استثماراته تكون هي وطنه وربما يكون له أكثر من وطن كشركة البترول البريطانية Bp*1 التي تَجُول حفاراتها كل بحار ومحيطات العالم أو حتى شركة مثل: المقاولون العرب*2 المصرية والتي تنتشر في أغلب دول الشرق الأوسط وأفريقيا، وغيرهما. 
وأخلص هنا بأن العلاقة بين الدول يجب أن تكون مبنية على المصالح القوية وحيث تربط دول الاتحاد الأوروبي وحدة واتحاد له عملته الموحدة والقوية فهذه الوحدة قائمة على علاقة المصالح، وأقرب مثال على هذا: هبوب دول الاتحاد الأوروبي الرئيسية لمساعدة إسبانيا في أزمتها المالية في حين أنها ترددت لشهورٍ مع اليونان العضوة في ذات الاتحاد والسبب: أن مساهمات إسبانيا في اقتصاد هذا الاتحاد 10% في حين أن حصة اليونان لا تزيد عن 2% ، وهذا المثال يُعْضَد القول بأن العلاقة بين الدول في ساحة عالم اليوم علاقة مصالح، وعليه أتحدث عن لغة المصالح بين الدول العربية وحيث كانت تغلب عليها لغة العواطف التي أفقدتنا الجلد والسقط - لم يكن أبدًا للغة المنطق مكان، فكثيرًا نادينا برفع الجمارك وإقامة السوق العربية المشتركة، وقد فوجئت منذ سنواتٍ ليست بالبعيدة بتصريحٍ لدكتور أحمد جويلي أمين عام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية بأن هناك بالفعل شراكات عربية كثيرة معنية برفع الجمارك وتقليلها للحد الأدنى لكن فعليًا لا يتجاوز حجم التجارة البينية بين الدول العربية حاجز 8% من جملة حجم التجارة العربية الخارجية . 
يا قوم لا تكفي لغتنا العربية وتاريخنا المشترك لأن نبني ونُعضد هذا الاتحاد المشترك الذي يُفترض فيه أن يجلب لنا حقوقنا المهدرة كشعوبٍ عربية ويدفع مصالحنا للأمام، بل علينا أن نبحث عن نقاط تدعم اقتصادنا المشترك خاصة وأنه لا وطن له، وحتمًا ستحتاج كل دولة لأن تسد النقص الذي يعوزها من دولة أخرى وهنا نتمنى أن تكون تلك الدولة المنشودة عربية كذلك، ولكن لن يتحقق هذا إلا إذا توفر لديها ما تمنحه لنظيرتها ليرتبطا معًا بلغة المصالح التي أراها أبقى في زمننا الحالي من لغة العواطف، وربما تكون أزمة الطاقة الأخيرة التي حَلت على مصر هي من فجرت نموذجًا لعلاقة المصالح التي أنشدها فحيث تحتاج مصر لملياراتٍ لتُستثمر في إنشاء محطات جديدة لتوليد الكهرباء لتسد العجز الذي صاحب وقت الذروة ويصل مجموع ساعاته ما يماثل خمسة أيام فقط طوال العام - هذا في الوقت الذي تُنتج الشبكة السعودية فائضًا لا تحتاجه أثناء وقت الذروة المصرية وبالمثل تحتاج من الشبكة المصرية ما يسد عجزها في وقتِ خمول استخدام الطاقة في الشبكة المصرية، فكان لزامًا أن يتم الربط الكهربائي بين الدولتين، وهذا بالفعل سيحدث خلال عامين ولن يكون بين مصر والسعودية فقط بل فعليًا وكما أتابع منذ عامين هناك ربط كهربائي موحد بين مختلف الدول العربية، وربما تكون الحلقة المصرية السعودية آخر مراحل هذا الربط الكهربائي العربي الموحد ليمثل أحد أهم ركائز المصلحة المتبادلة المفهومة لدى عالم اليوم ، فهل يا ترى سنرى غيرها ؟

هامش
1 -  من كبريات شركات البحث والتنقيب عن البترول في العالم إن لم تكن أكبرها بالفعل، www.bp.com 
2 - من أكبر وأعرق شركات المقاولات في الشرق الأوسط وأفريقيا إذ تمتد جذورها لأكثر من نصف قرن، www.arabcont.com

هناك 10 تعليقات:

  1. اسجل اعجابي الشديد بالبوست

    ردحذف
  2. الفاضلة : مدام شمس

    يُسرني هذا بشدة

    ردحذف
  3. طرح رائع

    أضيف أن المسألة لا تتعلق بحداثة مبدأ المصالح فقط
    ولكن تبادل النتاج الإنساني سنة كونية لا تقتصر على المنتجات المادية بل تشمل العلوم والثقافات

    ليس هناك شعب أو عرق مكرم.. هناك إنسان مكرّم أينما كان

    ردحذف
  4. الفاضلة : Unique

    صدقتِ : هناك إنسان مكرم أينما كان

    " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "

    ردحذف
  5. أحمد صديقى العزيز

    تصدق فى فترة كنت متبنى الفكرة ان احنا ممكن نكون عندنا أكتفاء ذاتى

    بس عموما فى دولنا العربية و بعد الأتحاد الأقتصادى دة

    نقدر نعمل تبادل أقتصادى و نقدر ساعتها نكون الند بالند فى التجارة العالمية

    لكن زى ما بيقوله العرب أتفقوا ألا يتفقوا

    موضوع هايل بجد يا أحمد

    رمضااان كرييييم

    ردحذف
  6. تامر الخشاب
    أشكرك يا أحمد على مواضيعك وحواراتك البناءه
    إحنا فعلاً نقدر نعمل إكتفاء ذاتي مع الدول العربية
    ولكننا غير مستفيدين في هذه الحاله لأننا نريد القمح مثلاً فلا يوجد بهذا السعر الزهيد إلا في روسيا وأمريكا مثلاً لأنه ينبت على مياه الأمطار فلذلك نستورده ولا نزرعه لأننا إذا حاولنا سد إحتياجاتنا من القمح بالزراعه سنهدر مياه النيل ولم نسد حاجاتنا فنحن نزرع الفواكه والنباتات العطريه ونصدرها بأثمان مرتفعة ونشتري القمح بدل منها
    وبذلك نكون وفرنا مياه النيل وأيضاً سدينا إحتياجنا من القمح بإستيراده

    ردحذف
  7. أخي العزيز الغالي أحمد
    أعتقد أن موضوع الاتحاد العربي على غرار الاتحاد الأوروبي يعد مستحيلاً
    كما أن التكامل الاقتصادي العربي أو التبادل التجاري "العادل" المبني على تحقيق مصالح مشتركة مع الغرب أمامه عقبات سياسية واقتصادية هائلة
    كما أن كل حاكم عربي ينظر فقط إلى مصالحه ومصالح حاشيته دون مصلحه شعبه
    حتى إتحاد العملة الخليجية والذي كان مشروعاً هائلاً يضمن اتحاداً قوياً فتياً فشل بسبب تلك الأهواء السياسية والنعرات العنصرية
    فالخلاف حدث بين السعودية والإمارات حول بلد استضافة مقر البنك المركزي الخليجي
    سبب سياسي تافه أدى إلى خلاف دمر هذا المشروع الهائل
    حيث كنت قد أعددت دراسة حول هذا الموضوع الذي له فوائد كانت ستجعل مجلس التعاون الخليجي واحداً من أقوى الكيانات الاقتصادية في العالم

    كما أن السياسات الخاطئة لغالبية أنظمتنا العربية والتي لا تتعلم من أخطائها أبداً
    تسببت مثلا في تصدير الغاز المصري إلى عدونا "إسرائيل" وهو ما أدى في النهاية إلى أزمة تيار كهربائي في ربوع مصر
    لان غالبية المحطات المصرية لتوليد الطاقة الكهربائية تعمل بالغاز الطبيعي
    وهو أمر يدعو إلى الحسرة
    أن يتسبب عدد من رجال الأعمال الفاسدين (المحصنين بالنظام) وعلى رأسهم حسين سالم في إتمام صفقة تصدير الغاز إلى إسرائيل على حساب الشعب المصري المسكين
    رغم أن الرفض الشعبي الواسع لتلك الخطوة في حينها قابلة النظام بترويجات عن الفائض الكبير جدا في احتياطيات الغاز الطبيعي فضلا على الأرباح الهائلة التي سيدرها علينا تصدير الغاز
    وها نحن الآن ندفع ثمن تلك الخطوة التي حققت مكاسب لرجال النظام وانكوى بنارها الشعب الطيب الذي يعاني الآمرين بسبب انقطاع الكهرباء وسط تصريحات متخبطة من المسئولين والذين القوا التهم على بعضهم بشكل مضحك مثل وزيري الكهرباء والبترول

    إن المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة تحتاج إلى قوة متكافئة سياسية كانت أو اقتصادية أو عسكرية

    خالص تحياتي وتقدير

    ردحذف
  8. رامي باشا
    الله أكرم
    ولنستبشر بالخير

    ==========

    الأستاذ تامر الخشاب

    مفاجأة لطيفة أن أراك هنا
    يا ترى بمصر ؟

    متفق تماماً مع قولك ، وأزيد عليه بأن مصر مثلاً وقعت اتفاقيات مع السودان لزراعة القمح هناك لكن للأسف لا اتفاق يدوم أبداً مع السودان نظراً لتباين المواقف السياسية له بشدة وعدم استقرار الوضع هناك
    كذلك منذ أسابيع وقعت مصر اتفاقية مع كازخستان لزراعةالقمح هناك لصالح مصر
    أشكرك أستاذ تامر

    ===============

    الحبيب الغالي أحمد أبوالقاسم
    كيفك ؟
    هشوفك امتى يا ترى ؟

    لا خلاف على طرحك خاصة تفاصيل العملة النقدية الخليجية .. أمر مؤسف
    أظن أن المشكلة في الأساس نابعة من خلاف حول بطاقات الهوية الإماراتية المرسوم عليها مساحات مختلف على تبعيتها وترى السعودية وتصر على أنها من ضمن حدودها فكان التعنت لهذا السبب كما أظن والله أعلى وأعلم
    على كل حال الوضع بالفعل مؤسف كما تقول لكن لنستبشر خير
    تعلم أحب استشراف الأمل دائماً يا صديقي

    ردحذف
  9. تامر الخشاب وحلقة الجيش المصري
    http://www.youtube.com/watch?v=Qnuc7FXs8z0

    ردحذف
  10. حاوال النشر يا احمد وابقذ البلد معايا ودا اللينك انا تامر الخشاب بتاع الرياض
    http://www.youtube.com/watch?v=Qnuc7FXs8z0

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد)

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.