السبت، 4 سبتمبر، 2010

الاستغراق في الظلام ... !


لي صديق يحب دائما أن يتبع معي أسلوب المفاجأة أو الصدمة فهو مُحبًا للحياة وصاحب واجب ويحب الترفيه والخروج حتى لو لم يكن معه هذا القرش الملعون، وعليه : يعتاد أن يمر علي كثيراً ليأخذني عنوةً لمحل رحلته الترفيهية الجديدة ولأنه اعتاد مني الرفض والهروب من هذه الرحلات فصار يتحايل علي بأن يقل لي سنذهب لقضاء العزاء في والدٍ لصديقٍ لنا بمدينة طنطا وأذهب لأجد العزاء جلسة سمر يقودها صديقنا إياه ، وهذا مثال على ما يفعله أحمد مجدي بي وبالأمس وبعد صلاة العشاء ولما أيقن أحمد أني صرت أنا الآخر أتحايل على تحايله فطن عقله للإتيان بأحد الأصدقاء ممن لا أشك فيهم بالمرة ليتقاسما معًا لعبة التحايل عليّ ويقررا أننا سنذهب للصلاة في مسجد العارف إبراهيم الدسوقي بمدينة دسوق ونؤدي واجب السؤال على والد صديقنا كريم سالم لاشتداد المرض عليه خاصة وأنا بيننا عشرة عُمر وهو ( أي كريم ) يؤدي خدمته العسكرية بالجيش ، فوافقت لأكتشف الخديعة الكبرى بأننا سلكنا الطريق المؤدي لمصيف بلطيم لنقطع رحلة قدرها ساعة إلا ثلث على رافد الطريق الدولي وكانت تستغرق قبل أقل من عامين قبل إتمامه ساعة ونصف وربما أكثر ، حينها ليس عليّ إلا أن أرفع كفي إلى السماء متحسبنًا على الموقف والخدعة الجديدة من أحمد مجدي والصديق أحمد رفاعي الذي يعمل خبيرًا اجتماعي بمحكمة الأسرة ونذهب لندخل المصيف شبه الفارغ في هذا التوقيت من البشر لنسلك الطريق نحو تلك الخيمة البدوية المطلة على الشاطىء ونجلس حيث لا أحد سوى فريق العمل بهذا المكان الساحر وثلاثتنا لنمر على الأحاديث من كل صوبٍ وحدب فهذا يتحدث عن الزواج وبحثه عن عروس وآخر يتحدث عن العمل وأرقه من هذه الشركة ورغبته في الرحيل عنها وثالث يتحدث عن رغبته في الانتقال لدنيا أخرى غير مقر إقامته الذي كره جدرانه ووسط الحديث ألومهم بعدم موافقتي قبل الرحيل على شراء القليل من شطائر الفول والفلافل من صانعها مدحت بمدينة كفرالشيخ والذي توفاه الله قبل عدة أيام ولي عنه حديث.
وقتها تحدث أحمد رفاعي عن عمله قائلًا "سأعود خلال أيام لمواصلة العمل الشاق" لأبادره بالسؤال : هل بالفعل كما نستمع لا يخلو يوم من طلبات الطلاق يا أحمد ؟ 
ليرد عليّ بالنفي لا لعدم وجود حالات طلاق لكن لاستغراق البعض في تضخيم الأمور والمشاكل والمتاجرة بها حتى أنه قال لي من بين كل ثلاثين حالة طلاق ترد إلينا نحل في المتوسط ثماني عشرة حالة تقريبًا ومسترسلًا في التوضيح أن بعد معاياناته للحالات كما تعلمنا أثناء دراستنا للخدمة الاجتماعية يتبين له هشاشة المشاكل وفراغ عقول أصحابها وبالطبع يسلك هو طرق الحل الإيجابي التي تعلمناها ودرسناها من قبل وهو يملك ناصية الحلول في هذا كما أزعم وأعرف عنه .
  وأزعم أن من يمارس العمل الاجتماعي خاصة من يحمل في طيات ممارساته الصفة الأكاديمية المهنية  أقدر كثيرًا على رؤية مشاكل المجتمع بموضوعية وكما تعلمنا أن الإطار الكبير للمجتمع ينقسم إلى الفرد كوحدة وإلى الجماعة كأخرى وإلى المجتمع كتنيظمٍ ثالث، لكن جرى العرف أن يُشيع المجتمع أن المشاكل ناجمة عن طرفه الأخير فقط وفي هذا تحميلًا لعبء المشكلة على الآخر ليتجاهل صاحب المشكلة أو الطرف المتضرر منها وقد يكون هو صانعها كذلك دوره فيها . 
ووسط هذا الحديث حينما أتيتهم بذكر عم مدحت صاحب محل سندويتش مدحت والذي توفى منذ أيام في شهرنا المبارك الذي نحياه وصلى عليه الجموع من أهالي مدينتنا الغراء لأنه ورغم بساطته إلا أنه كان يملك قلبًا ينبض بالحيوية وحب الخير للناس، تذكرنا مدحت وكيف كانت بدايته ؟ والتي عاصرها ثلاثتنا منذ سنوات على عربة الفول إلى أن تطور تدريجياً مع الوقت ليصبح محله أحد أكبر محلات سندوتشات الفول والفلافل بكفرالشيخ حتى أنه كان يركب الكاميرات في محله ليتابع العمل من منزله أعلى المحل ومع ذلك ظل سعر السندويتش ثابت: نصف جنيه وقد سألته منذ عامين بعد التطويرات الأخيرة لمحله مستعجبًا عدم زيادته للسعر رغم تكاليف التطوير فوجدته يرد عليّ " طالما بكسب والحياة ماشيه ليه أزود على الناس كده أبرك "  
وأعود لأقول: في ذاكرتي العديد من المواقف التي أتذكرها له كانت توحي بمدى حبه وتطلعه للخير والعمل والكد والكفاح، ولقد تعمدت أن أذكر مدحت لكي أضع نموذجًا لشخص بدأ حياته بكفاحٍ وكد ورزقه الله وعلى شاكلته في كل المجالات سنرى نماذجًا كثيرة  ليعضد هذا من إيماني المطلق بقول العزيز الحكيم :
" ومن يتقِ الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب " .
أمثال هؤلاء لم نراهم يعيشون حُمى الاستغراق في تشييع الاحباط بين الناس، بل ويشهد الله أني منذ عامٍ وجدت عم مدحت هذا الرجل البسيط يقول لي أنه يحب مبارك وليس هذا قول منافق بل هو فكر رجل بسيط شاهدته كثيرًا من بسطاء أمثال هذه العجوز على كرسيها المتحرك أثناء متابعتنا لانتخابات الرئاسة الماضية في قرى محافظة كفرالشيخ مُصرة على الذهاب لانتخاب مبارك رغم أنه لا يوجد ما يجبرها على ذلك وقد أشفقنا عليها فوجدناها تصر على موقفها متعللة بأن من لم يذق ألم الفراق ويعي ويعرف كيف صان هذا الرجل أولادنا لنا فلن يعرف مقدار تقدير آخرون له ذاقت أكبادهم مرارة الفقد لعزيزٍ لهم، وهنا قد يقول البعض أني أطرح هذا النموذج السابق كتسويق سياسي ... لا فربما لا يروق الرئيس مبارك وأسلوب قيادته للوطن للبعض وهذا واقع وقد يكون لأصحابه سند موضوعي وعقلاني، وهناك غيرهم ومنهم أنا يرون أنه رمز أعطى وضحى للوطن كثيرًا وله إيجابيات عظيمة لا يجب أن نغفلها ونختزلها في بعض السلبيات التي نتشارك جميعنا  في صمودها حتى الآن وهذا أيضًا فكر صائب ومدرسة في القيادة لها الاحترام . 
لقد طرحت هذا النموذج لأوضح أن الاستغراق في تشييع الاحباط وترويج عرائض الاتهامات للآخر وبث اليأس وطرح المشكلات فقط بدون حتى طرح أي حلول موضوعية لها قابلة للتطبيق هو ضرب من ضروب الخبل وموجة من موجات لعن الظلام ، وأن من لا يحمل الأمل ليستشرف به المستقبل ويُقَوِم به الحاضر لا يصلح لأن يقود سواء نفسه أو جماعته وبالتبعية مجتمعه .
ملحوظة هامة : لكي لا يظن البعض أني ألوم من يطرح مشكلة للنقد وللنقاش بطرحي هذا أقول له: أنا أرحب تمامًا بطرح المشاكل للنقد الموضوعي البناء لتقويمها وعلاجها لأن الحل لن يخرج أبدًا من تلقاء نفسه بدون إثارة المشكلة أمام المجتمع ، لكن الفارق هنا أني أرفض من يبالغ بالتهويل في أمر المشاكل وكذا يبالغ في التهوين من إيجابيات الحياة وتطورها وحديثي هنا موجه للجميع سواء كنت من فئة الشعب البسيط أو من هذه الشريحة الحاكمة أو كنت قابعًا بينهما.

هناك 10 تعليقات:

  1. أحمد صديقى العزيز

    كلمات عن هذا الرجل الله يرحمه و يسكنه فسيح جناته

    جميله تدعو الناس للعمل و التفكير ليس للأن و انما لما بعد ذلك

    ربنا يحفظك

    رمضاااان كرييييم

    ردحذف
  2. كل الكلام اللى فى البوست ده هايل
    لكن اكتر حاجة شدتنى الراجل اللى اتكلمت عنه
    وانه مارضيش بغلى على الناس طالما الحياة ماشية
    الله يرحمه وان شاء الله يكون من اهل الجنة
    اكيد طالما كان طيب يبقى كل اللى يعرفوه بيدعوله
    وحضرتك خليت الناس اللى مايعرفهوش كمان يدعوله
    الله يرحمه

    ردحذف
  3. يارب تكون استمتعت بجو بلطيم الساحر خاصة فى المساء
    جذبنى حديثك عن عم مدحت رحمه الله وأسكنه فسيح جناته فهو مثال رائع للمصرى الاصلى وليس عم مدحت وحده فهذا الوطن ملئ بالكثير من أمثال عم مدحت رأيت الكثير منهم بنفسى غفر الله له،،، وجزاك الله خير يااحمد فالوفاء من شيم الكرام وأنت أهل لذلك
    دمت بنقاء القلب أخى الكريم

    ردحذف
  4. باين عليك انت من النوع اللى مش بيجى غير بالحيل والخديعه للترفيه على النفس
    عم مدحت رحمه الله باين عليه رجل طيب جدا وبسيط ونادرا جدا عندما تجد شخص بالقناعه فى الرزق ذى عم مدحت
    ربنا يسعدك

    رمضان كريم

    ردحذف
  5. بارك الله فيكم يا رفاق الخير
    قرأت ردودكم جميعاً وأسرتني وأعتذر على الرد المقتضب لضيق الوقت وظرف الشهر المبارك

    رمضان كريم على الجميع

    ردحذف
  6. البوست جميل
    اعجبني جزء المشاكل الزوجيه

    ورحم الله عم مدحت

    تحياتي

    ردحذف
  7. أشكرك يا مدام شمس

    اللهم ارحم الجميع

    ردحذف
  8. السلام عليكم اخ احمد
    سددالله خطانا للخير
    رمضان كريم و تقبل الله منا و منكم صالح الاعمال
    وان شاء الله عيد فطر سعيد للامة جمعاء

    ردحذف
  9. محمد رضا النجار8 سبتمبر، 2010 4:29 م

    مقال رائع .. عزيزي احمد الشريف ورحم الله عم مدحت

    ردحذف
  10. الفاضلة : سلوى
    عليكِ سلام الله ورحمته وبركاته
    اللهم آمين يا رب
    بوركتِ أخت سلوى .. دائماً سباقة للخير

    =============

    الفاضل : محمد النجار
    بوركت - أشكرك يا محمد

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد)

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.