الخميس، 9 ديسمبر، 2010

الحُبُّ بشروطٍ

على عادةٍ كنت أتبادل الحديث مع جَدّي* حول بعض الأبيات الشعرية التي اجتهدت في نظمها مؤخرًا، وعلى قدر فقرها من الحَدس البلاغي الرفيع فقد نال أحدها نصيبًا لا بأس به من الوقت، إذ سألني الجّدُّ : لماذا تضع الحب هنا بشروطٍ ؟ ، وكانت إجابتي : بأن العلاقة إن لم يتصل طرفيّ وريدها ببعضهما سيضمر أحدهما أو كلاهما حتى، وربما أكون عقلانيًا في هذا التصور، لكن هذا ربما لم يكن على هوى جدي، واكتفى بأن يقول لي ربما يكون الوفاء للحب حتى لو من طرفٍ واحدٍ أدوم وأبقى مُتمًا حديثه بالتلميح لأجمل كتابات العقاد وقصائده وحتى روايته الوحيدة التي صاغ عبرهم جميعًا قصة حبه الكبير لمي زيادة والتي احتشد حبها في روحه لا جوارحه المادية فحسب فسلبه العطر والسِلْم في غيابها عنه، وبرغم ما كان بينهما من علاقة هيأت تصورًا للعقاد أنه هو الآخر حبيبها وهي زاده حتى أنه في خصامها كان يبتدع من صنوف النقد اللاذع للحكومة حتى لو لم تكن تستحقه حتى تخشى عليه مي السجن فتعود له مُصَالِحة، وربما ينقل لكم هذا الاقتباس من رسالة بَعثت بها مي زيادة من برلين في أغسطس من عام 1925 هذا الشعور الذي عاشه العقاد 
" إنني لا أستطيع أن أصف لك شعوري حين قرأت هذه القصيدة . وحسبي أن أقول لك إن ما تشعر به نحوي هو نفس ما شعرت به نحوك منذ أول رسالة كتبتها إليك وأنت في بلدتك التاريخية أسوان .
بل إنني خشيت أن أفاتحك بشعوري نحوك منذ زمن بعيد .. منذ أول مرة رأيتك فيها بدار جريدة المحروسة . الحياء منعني , وقد ظننت أن اختلاطي بالزملاء يثير حمية الغضب عندك . والآن عرفت شعورك , وعرفت لماذا لا تميل إلى جبران خليل جبران .
لا تحسب أنني أتهمك بالغيرة من جبران , فإنه في نيويورك لم يرني , ولعله لن يراني , كما أني لم أره إلا في تلك الصور التي تنشرها الصحف . ولكن طبيعة الأنثى يلذ لها أن يتغاير فيها الرجال وتشعر بالازدهاء حين تراهم يتنافسون عليها ! .. أليس كذلك؟"
ورغم هذا فقد كان حبها الأوحد الذي عاشت له لجبران منذ 1911 وحتى وفاته بنيويورك عام 1931 رغم أنهما لم يلتقيا مرة واحدة، وكانت المراسلات بريد عشقهما كما أَوْرَدت المصادر وربما هذا خطأ. 
وأَحبها العقاد وصاغت له هذا الخداع، ومن يعلم فربما كان حبها كما أَرْدَفَ البعض مُنَزَهًا عن حب المرأة للرجل والرجل للمرأة ؟! ، وأن حبها هو هذا الحب الإنساني، وقد أرى في هذا نوعًا من الخداع والالتفاف حول السَراب الذي فُتِن به العقاد، ولا يُعنيني التوقف هنا كثيرًا لكن ما يلفت نظري أن العقاد برغم افتراقه عن مي مع استمرار تعلق قلبه بها حينما أتته قبل موتها بسنواتٍ على إثر أزمة مالية دنيئة حِيكت لها خَر باكيًا على يديها، ورغم وداعهما بلا رجعة إلا أن العقاد ظل يحبها وينظم لها سحر البيان من بنات مشاعره وأفكاره، كان يحبها هذا الحب العميق، وهي الأخرى ربما كانت تحبه هذا الحب الإنساني المُنزه عن أي لونٍ آخر .
لكن ما يحسبه عقلي وخيالي أن العقاد جمع حبه وحبها له في آنٍ واحد فظل مع هجرها وفيًا لها وحتى بعد موتها رغم ما مر عليه فقد نعمت كما ألهمتنا المصادر بفيضٍ من وفاءٍ حمله قلبه لها.
وأعود لجَدِّي فقد تمنيت معه أن تنسحب تلك الحالة التي عاشها العقاد على أهل هذا الوطن، حتى أنني جنبت قضايا المواطنة جوار السكون لأترك ما أنشده دائمًا من أقوال: تبادلية العطاء بين الوطن والمواطن كما تنص عليه حقوق المواطنة فيكون هذا الحب غير المنتظر صداه للوطن شعور كل مواطنٍ في مصرنا الغالية فلربما استفاق الحب من غفلته بين البشر، وصار الكل يُحبُ ويصفح . وعن نفسي أنشد هذه الإنسانية التي تحب بسخاءٍ بدون انتظار المقابل في كل مناحي حياتي ولا أدعي الحكمة بتوفرها لدي لكن أتمنى أن تنصهر هذه المظاهر الإنسانية داخل أعماق ذاتي فتأمن لها العيش في سِلْمٍ مع الآخر.

* أشرت لجدي ( د/ رزق شريف) برابطٍ لإحدى مقالاته الدورية بجريدة الأحرار وهو عم والدي 

هناك 11 تعليقًا:

  1. جدك الله يخليه نظرته جميلة للشعر وللحب وللمشاعر

    ربي يديك العمر وتكبر ولما توصل لعمره وتفكر في كلامكم حتبتسم بس يا ترى حيكون رأيك إيه؟

    ربي يحقق كل أحلامك يا أحمد

    ردحذف
  2. الحب فعلا لازم يكون من الطرفين
    متهيألى الحب من طرف واحد ده بيكون خداع للنفس

    ردحذف
  3. العنوان غريب اوي

    عمر الحب ما كان فيه شروط

    ربنا يخلي جدك وعقليته

    مشكور يا احمد

    ردحذف
  4. رووووووووووعه احمد

    تسلم ايدك يا احمد

    وحقا صدق جدك

    تحياتى

    ردحذف
  5. رائعة استاذ احمد
    بارك الله فيك وفي جدك
    تحياتي

    ردحذف
  6. موضوع جميل وشيق وفعلا الحب هو علاقة اسمى وارقى والوفاء هو وحده من يستطيع ان يجعلها تطول اكثر
    بارك الله فيك اخي

    ردحذف
  7. أعتذر إن تأخرت في الرد على حضراتكم
    أقدر لكم جميعًا المرور وبالفعل الحب يحتاج لتلاقي حب الآخر، لكن هناك من يملك بحرًا من العطاء لا ينضب أبدًا ويستطيع أن يستمر في حبه مهما وجد من الجفاء، اللهم يسر لنا ولكم كل السبل واجعل حياتنا راغدة في الحب بين كل الأجناس والألوان وفي كل المواقع والأمكنة

    ردحذف
  8. الحب لازم يكون متبادل بين الطررفين
    موضوع جميل أخى أحمد

    شكراً لك

    ردحذف
  9. أول زياره لمدونتك كلامك رائع و لغتك أروع
    اسمحلي بمتابعتك و سعيده بزيارتك لمدونتي المتاوضعه
    تحياتي لك

    ردحذف
  10. الفاضلة : tote soly
    نعم هذا صحيح ، ولا مِراء في هذا ولكن القول الذي قصدته أن الحب غير المشروط بمقابل ربما يكون أسمى وأنبل
    شرفتني

    =======
    الفاضلة شيرين سامي
    شرفتني زيارتك ويسعدني بدون شك استمرارها والتواصل معك، كما أشكرك بشدة على كلماتك في حقي
    لكِ كامل التقدير والاحترام ويدوم التواصل بإذن الله


    دمتم جميعًا بكل ود

    ردحذف
  11. أحمد شريف.........
    حب بشروط لاحب هو صفقة مثل الزواج أحيانا

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد)

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.