الاثنين، 13 ديسمبر، 2010

مظاهرات بريطانيا والتعليم الجامعي في مصر

تابعت مؤخرًا المظاهرات التي نالت من الشارع البريطاني على إثر الاعتراضات على قانون رفع رسوم الجامعات والذي أقره البرلمان البريطاني مؤخرًا، حتى أن المظاهرات نالت من سيارة ولي العهد البريطاني الأمير تشارلز وزوجته كاميلا أثناء ذهابهما لمسرح لندن بلاديوم.
وأحب أن أتحدث باختزالٍ عن طبيعة الرسوم الجامعية في بريطانيا وكيفية إدارة الموارد المالية والانفاق على متطلبات هذه المؤسسات الهامة:
فالواقع أن التعليم الجامعي الحكومي في بريطانيا وكل دول العالم الأول ليس مجانيًا، ولا يوجد دعم حقيقي من الدولة لهذه المؤسسات كما هنا في مصر ويتم الانفاق على رواتب أعضاء هيئات التدريس وكامل الجهات المشتركة في خدمة هذه المؤسسات من خلال الصندوق الذي ترد إليه الرسوم الدراسية، كما أن بعض موارد هذا الصندوق تذهب إلى حسابات الخزانة العامة في تلك الدول لتكون العملية التعليمية الجامعية ذات قيمة مادية مباشرة مضافة لا مُستهلِكة، وهذا أرى له أثرًا طيبًا في العملية التعليمية إذ تكفي الموارد المالية المتاحة لإضافة هذا التجويد المطلوب للعملية التعليمية من معاملٍ وملاعب وقاعات دراسية متطورة، كما أن عدد من ينتسب لتلك المرحلة ليس بهذا الكم الضخم الذي ينتسب عندنا سنويًا إذ يبلغ في مصر في المتوسط ما يقترب من نصف مليون، وهو عدد كبير للغاية ويحتاج لموارد بشرية ضخمة تؤهله وتسانده وتمنحه العلم بقدرٍ من الاهتمام ومساحة مناسبة من التفرغ لطالب العلم، وفي ذات الوقت لا يتسع السوق لتوفير وظائف لتخصصات هذا القطاع الكبير للغاية، في حين أن الأساس في العملية الإنتاجية للوطن ولدولة صار النشاط الصناعي بها الاتجاه الأكثر أولوية لعائده الكبير وسرعة نموه واجتذابه لعمالة كثيفة: المؤهلات الفنية ذات التعليم المتوسط وفوق المتوسط، وعلى الرغم من هذا لا يُجد العدد الكافي منهم، وقد رأيت هذا جليًا حينما زرت مدينة برج العرب الصناعية منذ سنواتٍ في جولة نظمها لنا محافظ الإسكندرية اللواء عادل لبيب إبان حضوري لأحد معسكرت إعداد القادة هناك، وسمعت شكوى أصحاب المصانع من افتقادهم للعمالة المدربة، ويا ليت هذا أقصى ما في المشكلة لكن الكارثة أن العمالة غير المدربة ترفض التدريب التأهيلي للعمل في المصانع مع كل الامتيازات المالية والتأمينية التي تحصل عليها، وتفضل الجلوس على المقاهي انتظارًا لفرصة عمل على مكتبٍ لم يَعد له هذا الحضور في زمنٍ أصبحت البطالة هي اللاعب الرئيسي في كل ربوع العالم.
الحديث عن أن التعليم الفني يجب أن يكون هو الأساس في العملية التعليمية في أي دولة ليس من ضروب الخبل، بل هو الواقع في أي دولة عاقلة، لكي تتوفر الفرصة لتهيئة المناخ لشريحة أخرى أقل عددًا من الأرقام الخيالية الحالية من الفئات ذات التعليم العالي ليكون تأهيلهم نافعًا بحق للمجتمع ويمنحونه الدراسات البحثية المختلفة لكي تُطبق وتؤدى من خلال تعاون مختلف الفئات الأخرى.
وأعود لقانون رسوم التعليم الجامعي الجديد في بريطانيا إذ رفع هذا القانون الأقساط الدراسية ثلاثة أضعاف لتصل من 3 آلاف جنيه استرليني لنحو 9 آلاف، ما رأيكم لو أصبح التعليم الجامعي هنا في مصر بمقابل مادي ؟
دعوني أضع بعض التخيلات لتبعات هذا القرار:
1- ستقل أعداد الطلبة الوافدين لمرحلة التعليم الجامعي، وستدخل الصفوة فقط ولا أقصد هنا من الصفوة الطبقة الارستقراطية فقط، بل ربما يكون من الفقراء أو الطبقات المتوسطة والتي ينتمي لها أغلب المجتمع المصري وأنا منهم، فقد يدفع التفوق اللافت  لأحدهم لأن يكون من صفوة الطلبة بالفعل، وهنا يجب أن تُرفع الرسوم الدراسية عن المتفوقين وتُعطى المنح الدراسية بشكلٍ أكثر إيجابية وربما يَلفت نظر من يتابع منكم الأفلام الغربية خاصة الأمريكية والتي تصور حياة هذه المراحل العمرية الدراسية للشعب الأمريكي تلك الأمور بشكلٍ واضحٍ 
2 - قلة العدد ستمنح الفرصة للطلاب للحصول على خدمة تعليمية أكثر تركيزًا وجودة وستكون المدرجات أكثر رحابة وأقل عددًا مما سيدفع المُحاضر إلى استهداف الفئة المتاحة أمامه بنفعٍ أكبر، وكذلك سُيتاح لتلك الفئة استغلالًا أفضل للموارد المادية الأخرى للجامعة فعلى سبيل المثال سيكون بالإمكان ممارسة الأنشطة الرياضية والأدبية والفنية في منشآتٍ متخصصة ومستقلة بها مما سيرفع بالمواهب للنضج، وعلى الرغم من أن هناك انجازات على الصعيد الإنشائي تحدث في مختلف الجامعات المصرية خاصة الجديدة منها ، وتظهر جامعة كفرالشيخ كأحد الجامعات التي حظيت بطفرة إنشائية بالغة مؤخرًا إلا أن الزيادة السكانية الكبيرة والتي تصل سنويًا لمليوني نسمة مع الاستمرار في الدعم المجاني للتعليم الجامعي تلتهم هذه الإيجابيات وتُلقي بمسئوليات مضاعفة يتعذر كثيرًا تلبيتها.
3 - ستتوفر الفرصة لأساتذة الجامعة لتحسين أوضاعهم المالية مع زيادة موارد الجامعة، وهو ما سيوفر المناخ النفسي المناسب لأستاذ الجامعة ليكون أكثر عطاءًا وكذا ستتوفر الفرصة لتوجيه جانبًا من هذه الموارد للإنفاق على البحث العلمي، والذي لا تتحمل حكومة أي دولة متقدمة في العالم كلفته وحدها بل تشاركها المؤسسات المختلفة مثل المصانع والمؤسسات الإنتاجية المختلفة، وبعض صور المشاركة تلك تكون عبر تدعيم الفرق البحثية الجامعية ورعايتها ماديًا لتنتج لها مشاريع بحثية قابلة للتطبيق وهذا يعود لثقة تلك المؤسسة بقدرات الطالب والعملية العلمية في تلك المؤسسات وهذا الأمر ليس مستغربًا فقد رأينا مئات النماذج التي بدأت بفكرة بحثية داخل المدرجات الجامعية في تلك الدول مثل الفيس بوك والكثير من مشروعات البرامج مفتوحة المصدر ومنها برنامج جِمب وحتى نظام لينُكس كانت بدايته بأهدافٍ لها تبعات دراسية للينوس ترافولدز، وهذا الأمر حدث في مصر أيضًا لكن على نطاقٍ ضيق لأبعد مدى وقد اطّلعت على تجربة قدمها لنا أ.د/ عبدالحي عبيد رئيس جامعة حلوان الأسبق لإحدى الشركات الصناعية التي كانت تستورد موادها الخام من الخارج وذات مرة بعد أن تأخرت الشركات الأجنبية في توريد المواد لها قامت باللجوء لكلية الهندسة بجامعتي القاهرة وحلوان لتحل مشكلتها مع المُوَرِد الأجنبي تمامًا وتحقق وفرًا في تكلفة الإنتاج قُدر وقتها بعشرة ملايين جنيه، ناهيكم عن المزايا الأخرى المباشرة وغير المباشرة للمجتمع جراء هذا التكامل بين مؤسسات المجتمع الواحد المختلفة .
4 - الدعم المادي المتوفر من رفع الدعم عن التعليم الجامعي يجب أن يُعاد ضخه في التعليم الأساسي ورفع مستوى التعليم الفني لهذا المستوى اللائق تمامًا لكي نحصل على خريج مؤهل ماديًا ونفسيًا لكي يُنتج ويساهم بفاعلية في المجتمع وتتطور نظرة المجتمع له لتصبح أكثر إيجابية، وقد قدمت الحكومة الحالية خاصة وزارة التجارة والصناعة مبادرات لتطوير التعليم الفني وربطه بالصناعة لكنها على نطاقٍ محدود للغاية ولا تكفي أبدًا للأهداف المنشودة. 
5 - حينما كنت أمينًا لاتحاد الطلاب كنت أجتهد في ممارسة الأدوار المختلفة ومحاولة ابتكار الأفكار غير التقليدية، ومما لا أنساه حينما بدأت في مراسلة العديد من أمناء اتحادات الطلاب في دولة ألمانيا لعقد وتبادل الأنشطة الطلابية معهم وأعلم أنني لم أوفق لكني اجتهدت وتكونت لدي صورة عن هذا المجتمع الطلابي النشط فعلى سبيل المثال يستغل الطلبة المساكن الجامعية في فترة الصيف  لاستئجارها أثناء عملهم في البلاد الواقعة فيها أعمالهم، كما أن أعضاء اتحاد الطلاب هناك يتولون رعاية الطلبة فيما نسميه الخدمة العامة بشكلٍ جاد، ونعم كنا نمارس هذا بشكلٍ مكثف في معهد إعداد القادة بحلوان، وأزعم أني مارسته بجدية وبأشكال متباينة أثناء تجربتي في النشاط الطلابي وهي تجربة طويلة وعميقة للغاية، لكن هذا لم يكن نشاطًا ممنهجًا ومنظمًا كهذا الذي وصلني من ألمانيا، فإيمان الطالب الألماني هناك بالعمل الجاد للحصول على المقابل المناسب أعمق بكثير من مجرد السعي لممارسة بعض الأدوار الوهمية التي أراها هنا، وهذا هو العطاء المتبادل الحقيقي والراسخ، وربما نراه يومًا هنا في جامعاتنا المصرية . 
6 - كل هذه الأمور مجتمعة ستُغير من ثقافة المجتمع المتخاذل والمتواكل وفكرة الشاب الذي لا عليه سوى أن يستمر في الدراسة أجاد أو لم يُجد لأنه يثق في حصوله على مقعدٍ في المرحلة الجامعية، وستدعم العدالة الاجتماعية الحقيقية فمن سَيُجيد في الدراسة والاستذكار سيحصل على حقه بالتواجد في المرتبة التعليمية الأعلى. 
حسنٌ: أعلم أن ما طرحته لن يجد هذه الآذان الصاغية المقتنعة خاصة أن فكرة تقبل الجديد دائمًا صعبة ويقابلها هذا النفور ويُغلفها الاعتقاد الزائد في نظريات المؤامرة ، ولأن ثقافة مجتمعنا المصري هكذا وتحتاج لوقتٍ طويل لتغيير معتقداتها فما الحل من وجهة نظركم ؟
لو قامت المؤسسة الحاكمة بهذا التغيير مباشرة: ستقابل تيارًا غاضبًا من الشارع يستحيل الصمود أمامه 
ولو ظل الوضع على ما هو عليه سنظل نسبح في ذات الحوض يغرق بعضنا وينجو البعض بشق الأنفس والقلة فقط من يتوفر لها النجاح اليسير، وإلا لكنا رأينا لقرار وزير التعليم العالي قبل بداية هذا العام حظر بيع الكتاب الجامعي وجعل الكتب متوفرة إلكتروينًا جدوى وقيمة، مع العلم أني سألت هذا الوزير بنفسي عن هذا الأمر منذ أكثر من ثلاث سنوات فكان وعده بأن تنتهي مشاكل الكتاب الجامعي تمامًا ويكون البديل للكتب المباعة والمستغلة من الكثير من أساتذة الجامعة بصورة لا تحمل الأمانة المنوط بهم تأديتها تجاه رسالتهم العلمية - أقول أن وعده بحل هذا الأمر وتوفير مكتبة إلكتروينة لكل جامعة تكون مُتاحة للجميع مجانًا خلال ثلاث سنوات لم يرّ النور والتطبيق الجاد بعد، وفعليًا لا أتوقع رؤية جادة وحقيقية لن يتم التحايل عليها في القريب العاجل.
ولم يتبق في جعبتي من حلولٍ سوى هذا الحل: حيث سيكون لزامًا على الشعب أن يقبل بتطويرٍ تدريجي لا يُلبي كافة الآمال لكنه يحقق بعضها مع توفير استحقاقات مقبولة ومتوازنة توفر لعب دور العطاء المتبادل بين مُقدم الخدمة والمتلقي لها.
وإن كان ما عندي لا تقبله طموحاتكم فأحب أن تُطرح أمامي البدائل الموضوعية والقابلة للتطبيق العملي وألا تكون نسخة مكررة من أقوال حكومة رئيس الوزراء البريطاني كاميرون قبل أن يصل للسلطة في الصيف الماضي لأنه بعد أن وصل لها واحتك بالمشاكل على أرض الواقع تملص من كل وعوده الانتخابية، وأعلن الشارع البريطاني اعتراضه المرير عليه.

هناك 10 تعليقات:

  1. السلام عليكم اخي احمد
    انا لا احب المقالات الاخباري كثيرا لكن طريقة سردك جعلتني اقرأها من الالف الى الياء
    شكرا لك على تناول هذا الموضوع
    تحياتي لخالصة

    ردحذف
  2. السلام عليكم

    والله يا اخى اشعر ان عن قريب سيكون هذا هو حال التعليم فى مصر

    يعنى سيلغى الدعم عن التعليم وستقل اعداد الطلبه ولعلنى اشعر الان بأن التعليم قد فقد اهميته بنسبه كبيره لدى كثير من البعض فى مجتمعنا خاصه بأننا لم نعد نعمل بشهاده تخرجنا كما كنا نفعل فى الاربعين سنه الماضيه مؤهلات كثير لم يعد لها اهميه بالرغم من رفعه شأنها ومكانتها ...

    وأظن بأن التعليم لن يكون هو الوحيد الذى سنفقده بل سنفتقد الى ابسط الوسائل التى يحتاجها اى مجتمع ولكن البقيه تأتى

    واخيررررر دمت بخير

    أختك جميله المصرى

    ردحذف
  3. اعتقد يا استاذ احمد ان من الصعب تطبيق هذا فى مصر
    وان يكون التعليم غير مدعم
    مشكور وتقبل مرورى

    ردحذف
  4. هو مضيع الدنيا غير الوعود الكاذبه

    ردحذف
  5. انت كده دخلت فم الاسد برجليك يا أحمد

    كلامك سليم مائة بالمائة بس مرفوض 200 بالمائة عارف ليه؟؟؟؟؟؟ علشان الأهالي بتطحن نفسها علشان الاولاد وجه موضوع الجامعات الخاصة خلى الأهل يطحنوا نفسهم في الثانوية وكمان الجامعات الخاصة اللي مع الأسف بتطلع أجيال ( مش كلهم طبعا ) ميعرفوش حاجه زيها زي بعض الجامعات الحكومية لما يكون دفعة الآف ...الحل بتاعك داه ممتاز اوافقك عليه لما دخل المصري يقفز مئات المرات وقتها اوافقك انما ذنب الشباب ايه والاهالي ايه بجامعات بفلوس؟ منين يا أحمد

    ردحذف
  6. أنا قريت المقال سريعا وسوف أقوم بقرائته مرة ثانية ليلا وأرد عليك

    ردحذف
  7. احنا بنتعلم صحيح بس بنخرج ناسيين كل اللى اتعلمناه
    وبنحتاج نعلم نفسنا تانى من اول وجديد

    ردحذف
  8. صعب كتير نطبق ده فى مصر اخى احمد

    كل وزير للتعليم وكل وزارة فى مصر

    لا تملك سوى وعود كاذبه

    اشكرك على طرحك المميز

    تحياتى

    ردحذف
  9. أحمد شريف ........
    المشكلة الحقيقية فى بلدنا هو عدم إخلاص النية من المسئولين سواء وزراء أو رئيس دوله بحجة واهية الميزانية وحاتدينا كام النتيجة ( كما قالوها لأحمد زويل والذى أعلنه بنفسه فى وسائل الإعلام ) وكمان خوف الحكومة من كل شيئ التطور ضدها العلم ضدها العلماء ضدهم الإختراعات ضدهم الحلول لكل المشاكل ضدهم ( وأقصد ضد أطماعهم بالحكم والسبوبة منه)

    ردحذف
  10. سالى السباعى
    مقاله رائعه جدا و غنيه ، و اتفق معك فى ان ملف التعليم فى مصر يجب ان يفتح و يعاد ترتيبه ، و يجب اتاحه فرص اكثر للتعليم الفنى و المتوسط ، لان مشكله العماله فى مصر مشكله متفاقمه و زادت عن الحد الى درجه ان مصانع المنسوجات فى الاسماعيليه اضطرت الى استيراد عماله ، لان العامل المصرى غير مدرب و لا يلتزم بالمواعيد. و بالرغم من ان معدلات الفقر فى مصر عاليه الا اننا لانستطيع ان نجد من يقدم الخدمات البسيطه من تنظيف للمنازل او المكاتب او سائقين او خدمات معاونه لا تحتاج الى مهارات خاصه ، و اقترح ان نبدأ تغير سياسه التعليم من الاعلام ، يجب ان يغير الاعلام نظرته المحدوده و الدونيه الى اصحاب التعليم الفنى و المتوسط ، و يجب على الاعلام ان يقدم رساله مشجعه للجماهير مفادها ان كل شخص محترم طالما يؤدى ما هو مكلف به باجتهاد و اتقان.
    تحياتى

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد)

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.