الأربعاء، 9 فبراير، 2011

المسئولية بين المشاركة والتطوع والحرية

عقباتٌ دائمة في طريقنا، هكذا هو حال البشرية عبر التاريخ كله، فأحلام النهضة على أي مستوى سواء على مستوى الفرد وحتى الوصول للمستوى القومي والدولي تقابلها دائمًا هزات عنيفة، لا تبرح مكانها أبدًا إلا مع القدرة النابعة من الفرد كوحدةٍ مفردة أو كعضوٍ في جماعةٍ وبالتبعية كبنيانٍ رئيسي على المستوى الأكبر كالدولة والإقليم على تحمل المسئولية.
والناظر لواقع محيطنا المصري والعربي سيرى رغم مؤشرات الحداثة والنهضة الكثيرة تأخرًا ملازمًا لا يتناسب مع القيمة والتاريخ العبقري لهذا التكوين القطري بجغرافيته وديمجرافيته، فمن يصدق أن مصر التي كانت يومًا خازنة حبوب العالم، تجوب المعمورة الآن لتستورد ما يغطي احتياجاتها الرئيسية من القمح على سبيل المثال، والذي لا يُغطي الإنتاج المحلي سوى ما يزيد عن الثلث بقليل!
نعم قد يكون لهذا تراكمات كثيرة متعلقة بمقدار الطلب المتزايد وما يُصاحبه من سلوكيات غير مسئولة من المستهلك النهائي أولًا وتجاه نفسه أولًا كذلك، مثل نمطه الاستهلاكي الشره*1، والذي يتنافى مع السلوكيات الصحية والدينية إذ خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه يومًا فقال: "إياكم والبطنة؛ فإنها مكسلة عن الصلاة، مؤذية للجسم، وعليكم بالقصدِ في قوتكم، فإنه أبعد عن الأشر، وأصحُّ للبدن، وأقوى على العبادة، وإن امرأً لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه"*2، وهناك تراكمات أخرى على مختلف التنظيمات مثل دور الجهات الزراعية والمائية في توفير وسائل الزراعة والري الموفِرة وعالية الإنتاجية، وهناك دور الإعلام في الحثِ على الترشيد والمساهمة مع الجهات العلمية المنوط بها توفير أنماطًا تنفيذية في الري والزراعة والنقل والتخزين وخلافه، بما يُدِر النفع في النهاية على كامل المنظومة لتقليل الفاقد وتعظيم الموارد، وبالتالي تقليل الحاجة لسد العجز من الآخر الأجنبي.
ولقد ضربت مثلًا بالقمح لا يرتبط بفترةٍ زمنية قريبة، فله تراكمات تعود لعقودٍ وعقود، فلا ننسى أننا كنا نستورد القمح من الاتحاد السوفيتي مثلًا أيام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، بل أحيانًا كان يقدم لنا كهباتٍ، ورغم هذا فلا يمكن أن أُرجع المشكلة وتراكماتها لتلك الفترة فقط بل هي سابقة لها بكثير، فبناء الثقافة السلوكية للوطن لا يكون بين عشيةٍ وضحاها وعلى مقدار التأثير في الجموع يكون الإنجاز، ولعل المثل السابق أبلغ دليل على حجم المشكلة الأصولية التي تحياها مصرنا الآن، فالواقع يقول أن هناك مشكلة مادية توصيفها وجود عجزٍ في الإنتاج المحلي يضطر الدولة لاستيراد 60% من احتياجاتها من القمح، ومبرر المشكلة يتمثل في أن من لا يملك قوت يومه لا يملك أمنه، والواقع يقول أن البقاء تحت رحمة الاستيراد مهما تعددت مصادره لا يكفل الحماية الكاملة، والدليل: أزمة الحرائق الأخيرة في روسيا*3 والتي أجبرت الحكومة على توفير القمح من مصادرٍ أخرى بأسعارٍ مضاعفة، والشق المعنوي من المشكلة هو المسئولية والتملص في تحملها من الجميع: الفرد، ومنظمات المجتمع المدني، والجهات البحثية، والإعلام والجهات التنفيذية الحكومية، الكل سواء، وحتى لو كان هناك تحملًا نسبيًا من جهةٍ ما من الجهات السابقة فالوضع مُزري ولن يُجدي تحمل جهة وحدها للمسئولية، لأن البنيان لا يستقيم لو كانت إحدى دعاماته مهترئة.
والسؤال الآن: لماذا نتحمل المسئولية ؟
والإجابة ليست بحاجة لفك شيفرات، فمأساة القمح نموذج لمعضلاتٍ كثيرةٍ في حياتنا بحاجةٍ لتحمل المسئولية.
ومن عليه تحمل المسئولية ؟
والإجابة في حديثِ سيد الأنام صلوات الله وسلامه عليه " كُلُّكُم راعٍ وكُلُّكُم مَسْئُولٌ عَنْ رَعيتهِ، فالإمام راعٍ ومَسْئُولٌ عَنْ رَعيتهِ، والرجلُ راعٍ في أهلِ بَيتهِ ومَسْئُولٌ عَنْ رَعيتهِ، والمرأةُ راعية في بَيتِ زوجها ومَسْئُولةٌ عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومَسْئُولٌ عن رَعيتهِ، وكُلُّكُم راعٍ ومَسْئُولٌ عن رَعيتهِ" متفقٌ عليه
إذًا فالمسئولية واجبة على كل فردٍ يملك الأهلية في الإدراك، وكلما زاد نطاق تأثير المسئولية كلما اتسع نطاق المسئولية التضامنية، فأمر الصيام لا يتحمل مسئوليته إلا الفرد نفسه، بينما أمر الدفاع عن عرض الوطن مسئولية جماعية تُؤدَى حسب القدرة والطاقة لكل نسقٍ من أنساق الجماعة، إذ يقول العزيز الحكيم : 

{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة 286]
 
المسئولية والمشاركة

المسئولية منها الشق التضامني وهو ترادفًا لمعنى المشاركة، وقديمًا قال سقراط "تكلم حتى أراك"، فالمرء مخبوء تحت لسانه إذا تحدث ظهر، وليس ضروريًا أن يكون الكلام هنا هو ذاك الذي يخرج على اللسان، بل ربما يكون مكتوبًا على الورق كهذا الذي يُصَاغ من الكتاب والأدباء، أو هذا الذي يُشيده العضل مثل البنايات التي ترفعها سواعد العمال والمهندسين.
وأحرى بكل فردٍ في هذا المجتمع أن يضطلع بالمشاركة والإقدام على هذا بدون ترددٍ أو انتظارٍ لمن يلتقف مشاركته بخُفُوت، وألوان المشاركة كثيرة ومنها ما يتجذر خلال مرحلة التنشئة الأسرية الأولى للفرد، حيث يُربى الفرد على تحمل المسئولية مبكرًا والعهدة على المناخ الأسري، فإذا كان لا يسمح للنشء بالتعبير عن رغبته والمشاركة في صياغة دوره وشخصيته فلن تقوم له قائمة صحيحة، بل ستصبح شخصيته معتلة تنساق خلف أي نسقٍ بدون وعي أو تؤدة، وهناك مؤثرات أخرى تؤثر على تكوين شخصية الفرد، مثل جماعة المدرسة والأصدقاء ومن ثم الجامعة وهي المرحلة الخصبة لتشكيل ملامح ناضجة للفكر السياسي، ويعنيني هنا أن ألوح لمغزى القيادة والتبعية، فلا يُفترض أن يكون الجميع قادة لتابعين، لكن يجب أن يكون التابع قائدًا لنفسه كذلك، بمعنى أن يكون على قدرٍ من الإدراك يؤهله للتمييز على سبيل المثال بين هذا القائد وذاك والانصـراف عن فكر ذاك لصالح فكر ذلك بإرادة كاملة كامنة منه، ولقد حذرنا رسولنا الكريم محمدًا صلوات الله وسلامه عليه في حديثه حيث قال "لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسَنَ الناس أحسنا وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وَطِنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤا فلا تظلموا" رواه الترمذي وحسنه.
لكن من أين ستتكون تلك القدرة على التمييز، والفرد لم يُربى على التأثير والمشاركة؟!
الواقع يقول أن هناك مشكلة متجذرة متعلقة بفقدان الثقة، وأنا على الرغم من إيماني بأن وضع بلادنا لا يُناسب أبدًا تاريخها وعراقتها وخبراتها التي لا تُضاهيها أعرق الإمبراطوريات في التاريخ، إلا أنني على يقينٍ بأن الصورة ليست قاتمة وأن الأمل في تطويرها وتطويعها لتناسب هذا التراث التاريخي العريق إذا تَحملَ الجميع مسئوليته، وهذا يعيدنا لإشكالية المسئولية، فالملاحظ هو هروب الكثير من المسئولية بإلقاء تبعتها على الآخر، وهي معضلة تعود لفقدان الثقة في النفس، وهو الفقد الذي نَما من خلال التنشئة الأسرية مرورًا بمراحل التنشئة الأخرى لكن لبنتها الرئيسية كما أشرت هي الأسرة، والحديث عن دور الأسرة والتنشئة الأولية يطول ولا تكفيه سطوري القادمة، لذا سأتحدث عن أدوار أخرى مُعاضدة لدور الأسرة في تعظيم قدر المسئولية، ومنها ما شاهدته أنا شخصيًا وكثيرًا من متابعي المشهد السياسي المصـري عام 2007 وإبان الاستفتاء على تعديل الدستور*4، وسواء اتفقنا أو اختلفنا على التعديلات، أو على بعضها فليس هذا هو مربط الحديث، لكن الحديث يعود للمسئولية في فهم التعديلات ومطالعتها والمشاركة بجدية في ورش العمل والنقاشات المتعلقة بها، حيث خرجت شريحة لا يستهان بها، خاصة المنتمية لطلاب الجامعة تُعارض التعديلات الدستورية ومنهم من ذهب لمقر التصويت ليصوت برفضها، وليس في هذا مشكلة، لكن المشكلة أنك حينما تسأله كما حدث معي شخصيًا وسألت أعدادًا كثيرة: هل قرأتم نص التعديلات المكتوبة على ظهر ورقة التصويت؟ فإذا بهم يقولون: "لا، وما الحاجة لهذا؟!، لقد سمعنا ما قِيل في وسائل الإعلام أو بعض الشخصيات المعارضة"، وكان من ضمن ما رَوجَه البعض حينها أن التعديلات الدستورية منحت للجهات الشرطية الحق في التفتيش والاعتقال بدون إذنٍ من النيابة، في حين أن هذا لا يوجد أي أصلٍ له في التعديلات، وليس مقصدي من ضرب هذا المثل هو أن أقول بأن التعديلات حسنة أو سيئة فما يُناسب مُعتَقَدي قد لا يُناسب الآخر والعبرة برأي الغالبية وعلى الأقلية أن تلتزم به حينها، لكن الواقع الذي أرمي له هو عدم المسئولية بالبحث عن مصدر المعلومة والتحري من دقتها، وفي هذا افتقادًا للثقة في النفس، وافتقادًا مطلقًا للثقة في المختلفِ مع الآخر لا يسمح بهامشٍ من التوافق، وعليه فأي سبيلٍ أو وسيلة أو قضية يدفع بها الآخر سيرفضها دونما تفكير، والمشاركة بالمسئولية تدفع الفرد لحواره مع نفسه، والحوار هنا يجب أن يكون مُقترنًا بالمسئولية التضامنية، ففيها تحييدًا للهي*5، وكلما اتسعت مساحة المسئولية التضامنية زادَ التوافق المجتمعي. 

المسئولية والتطوع 
 
هل المسئولية تطوعًا أم فرضًا تمليه الضمائر أولًا على الفرد ويتوجب على السـرائر أن تقتنع به قناعة تامة لتؤديه؟
يُعيدني الحديث هنا إلى المسئولية الفردية والتضامنية، وهل من الوارد أن تكون المسئولية التضامنية مسئولية فردية في ذات الوقت؟
على قدر الواجب يكون حكم فرض العين وفرض الكفاية، ففرض العين لا تخلو مسئولية الفرد بأداء غيره له، مثل الصلاة والصوم، وفرض الكفاية هو الفرض الذي إن تم تأديته من قِبل الغير سلم الآخر غير المؤدِي له من الحساب عليه، مثل العلوم فإذا وُجدَ بعض الأطباء في بلدٍ يكفل هذا للغير عدم تعلم وامتهان الطب وإن انعدم وجود الأطباء حق الحساب على الجميع، وكذا الحال في شتى العلوم والمجالات.
وعليه فإن أدى البعض فرض الكفاية أصبح من يُضيف ويؤدي له كمن يؤدي تطوعًا، وله المثوبة على هذا، لكن المشكلة تكمن هنا عندما يتنازل الجميع عن أداء الفرض ظنًا بأن الآخر يكفي عنه، فحينها سنجد الفرض تحول لمعضلةٍ كبيرة تواجه الأمة كتلك التي تحدثت عنها في صدرِ هذا المبحث، أو لنفرض معضلة أخرى مثل النظافة فنظافة الفرد الشخصية مسئوليته هو وحده، لكن مسئولية الحي مسئولية تضامنية لكل السكان إن التزم البعض بتنظيف حيهم الذي يسكنوه، والالتزام له أشكاله فمنهم من قد يدفع لعامل نظافة ليؤدي عنه المسئولية – حينها ستزول ضرورة الأداء عن الآخرين، لكن إن تقاعس الجميع ستتراكم القمامة والأوبئة وهو ما قد يؤدي إلى الفَقدِ، وفي هذه الحياة ممتدة التفاصيل لا نملك أن نضمن الأطر والمعايير الشاملة لكل مناحي الحياة، والتي تضمن أداء المهام كلها باستقامة كفرض كفاية.
وعليه فأنا أرى أنه لكي تستقيم الحياة علينا أن نُزكي فرض العين على فرض الكفاية، وأن نغذي في النشء قيمة التطوع كمسئولية واستحقاق يستحق المبادأة من الفرد لا الترحيل أو الانتظار حتى يؤديه الغير، وفي هذا يقول الإمام العثيمين: " واختلف العلماء رحمهم الله، أيهما أفضل فرض الكفاية أو فرض العين؟ منهم من رجح فرض الكفاية، وقال: إن القائم به يسقط الفرض عن جميع الناس، فكأنه حصل على أجر جميع الناس، ومنهم من قال: فرض العين أفضل؛ لأنه طلب من كل واحد، وهذا القول هو الراجح بلا شك؛ لأنه لولا أن الله تعالى يحبه ويحب من عباده أن يقوموا به جميعًا ما جعله فرض عين"
*6

المسئولية والحرية

يهمني أن أتحدث هنا عن مسئولية المشاركة في الانتخابات وارتباطها بمفهوم الحرية.
ففي النظام الديمقراطي، تعتبر الانتخابات الدورية هي الآلية الأساسية لاختيار رئيس الجمهورية وأعضاء البرلمان، وأداة إضفاء الشرعية، لذلك فإن نسبة مشاركة المواطنين في الانتخابات تصبح أمرًا مهمًّا. وتواجه الخبرة المصرية نقصًا ملموسًا في حجم المشاركة، التي بلغت في انتخابات مجلس الشعب لعام 2000 نسبة 22.1%، وفي عام 2005نسبة 23%*7
النسب السابقة تعكس قدرًا من السلبية في تحمل المسئولية تجاه المشاركة في الانتخابات لاختيار من يُمثل الوطن في التشـريع والأمر التنفيذي للقرارات المصيرية، وهو بدوره يُسقط الضوء على معضلةٍ أخرى، فالكثير هنا يُعَوِل على أن الإحجام عن المشاركة يعود لضيق حيز الحرية وضماناتها من قبل الجهة الحاكمة والتي تسطير قياداتها فعليًا على مختلف المؤسسات المعنية بتنظيم العملية الانتخابية سواء الجهاز الأمني أو اللجنة العليا للانتخابات واللجان المنبثقة منها، والجهة الحاكمة بدورها تقول أنها تضع المعايير اللازمة لضمان نزاهة العملية الانتخابية، وتسير بخطى تدريجية تحافظ على سلامة المجتمع المصـري نحو دمقرطة الحياة في مصر. وهكذا نرى أن كل طرف يقذف بالعبء في ملعب الآخر، وفي هذا تملصًا من المسئولية.
الواقع يقول أن مصـر منذ تحولها للجمهورية منذ أكثر من نصف قرنٍ وهي تموج بين تحولاتٍ كثيرة فنظامها الحاكم إبان الرئيس عبدالناصر أتاح وقتها حق التعليم للجميع والذي استمر مع تعظيم حجمه ونوعه حتى الآن، ولكن وقتها أغلقت الكثير من منابر الرأي الآخر مثل الأحزاب وتحول الإعلام وكافة المؤسسات السياسية والتنفيذية للولاء لنظامٍ سياسي واحدٍ موجه. وفي عهد الرئيس مبارك شهد الوضع تغيًرا، ومبارك نموذجًا للسياسي التكنوقراط الرافع شعار الحذر في اتخاذ القرارات، وقد عُرف عنه الميل دائمًا لاستخدام لفظ الاستقرار الأمني، وهو ما لا نستطيع إغفاله أو تجاهله فله إيجابيات عظيمة على أرض الواقع، ومعه فُتحَ الباب للتوسع في الحياة الحزبية والسياسية بتأنٍ، لكن على النقيض من هذا يشير الكثير وأنا معهم أن الفترة الزمنية الممتدة على ما يزيد عن النصف قرن منذ استقلالنا وتحولنا للجمهورية إذ لا يمكننا فصلها تمامًا عن بعضها لوجود تراكماتٍ للأحداث لا تمكننا من هذا، مثل الحرب وتبعاتها الاقتصادية والأمنية على سبيل المثال - على أن هذه الفترة طويلة للغاية على المد الديمقراطي في مصـر، وهنا علَيّ أن أتحدث عن الأهلية في الإدراك والتي تلزمنا جميعًا بالمسئولية.
نُوَصِف نحن معشـر الاجتماعيين الجماعة المنظمة بأنها القادرة على اتخاذ قراراتها بنفسها بوعيٍ كاملٍ، والوعي يكون من خلال العلم والمعرفة، ومن الجهات التي تضطلع بدورٍ أساسي في إكساب الفرد العلم والمعرفة: الأسرة، لذلك فعلى التنشئة الأسرية مهامًا جسامًا، وأول هذه المهام أن تكسبه الحق في المشاركة واتخاذ القرار لا أن تُربيه على التبعية المطلقة باستمرار لرب الأسرة، فيخرج لينًا هشًا تَذْرُوهُ الرياح، ومن ثم يكون على الحكومة المديرة والمدبرة لواقع الحياة التعليمية في المدارس والجامعات أن تؤصل التوعية بالمشاركة في كافة مناحي العمل المجتمعي ومن ضمنه العمل السياسي، وهنا على الحكومة أن تتعاون في وضع المناهج والمقررات لهذا بالتعاون مع منظمات المجتمع المدني الممثِلة لمختلف التيارات الفكرية المعتدلة لكي تضمن نوعًا من الحيادية في أسلوب التوجيه والتعليم، ولكي يخرج الفرد من مرحلة التعليم مُدركًا للمسئولية وبالتالي مُتحملًا لها.
وأحب أن أضع مثالًا تصادف ليرسم الصورة الحالية بشكلٍ جَلِي، إذ شملت العملية الانتخابية في انتخابات مجلس الشعب سنة 2005 مزيدًا من الضمانات من الجهة الحاكمة، مثل توفير صناديق زجاجية وحبر فسفوري والحد من دور رجال الشـرطة إذ اقتصـر وجودهم حسب القانون خارج اللجان لتأمين المقار الانتخابية فقط، ومع اليقين الشخصي بحدوث بعض التجاوزات في التطبيق من قبل الجهاز التنفيذي، إلا أن الوضع العام أعطى رؤيةً لدى شريحة كبيرة من المصوتين الجدد من جيل الشباب إلى الذهاب والتصويت، ولكن للتصويت لأعضاءٍ من تنظيم الإخوان المسلمين المحظور حسب الدستور، وليس لإيمانٍ بقدرتهم على إشباع رغباتهم، بقدر ما هو انتقامًا من الحكومة وفي هذا فقرًا في تحمل المسئولية، وأنا شخصيًا لا أمانع في أن يُرشح أي شخص عضوًا في تلك الجماعة أو غيرها، ولكن الاعتراض على أن يكون التصويت له بدافع الانتقام من الآخر، وقد يكون هناك على الساحة أحد المرشحين لحزبٍ معارضٍ أو حتى كمستقلٍ يملك الأهلية لتمثيل هذا الوطن، ولكن لفقر المنتخِب للأهلية في الإدراك وأحد محدداتها العلم والمعرفة لم يتجه لاختيار الآخر بطريقة منهجية صحيحة، وهذا الفقر هو الهاجس الذي يُروج له الجهاز الأمني المصري لتعليل تباطوء عملية الإصلاح الديمقراطي.
وخلاصة القول أن علينا جميعًا كأفرادٍ وجماعات ومؤسساتٍ تنظيمية أن نُعظم من قدر العلم والمعرفة والتوعية بقيمة المشاركة والتطوع وبأنهما لا ينفكان عن قيمة المسئولية مصطلحًا ومعنى، وأن الحرية ملازمةً هي الأخرى للمسئولية تسبقها وتلاحقها، وهي غاية ووسيلة في ذات الوقت للعيش الكريم الآمن، ولن تتحقق إلا بالسعي نحو إكمال أهلية الإدراك للمسئولية وعلينا أن نسعى إلى هذا دومًا بامتلاك الأمل، والبحث عن نقاط اتفاقٍ مع الآخر المختلف بقدر الإمكان، لا أن نُهبط العزائم، وننفث اليأس في التلاقي مع الآخر مهما عَلَا قدر فكره أو انحسـر.
وقتها وبرغم وجود أي متناقضات أو زلات أو عثرات سنرى ارتفاعًا للبنيان المجتمعي ليصل لمرحلة الجماعة المنظمة، وصدق أراجون حين قال :" ليس ثمة مجرم هو من الحلكة أو السواد بحيث أننا لا نستطيع أن نعثر لديه على بعض الأنوار الخفية أو الكامنة، كما أنه ليس ثمة مصير قد تحقق سلفًا بحيث لا يكون لدينا أدنى أمل في أن نرى بعض المتناقضات تثور في داخل معطياته ذاتها "*8.
 
هامش
*1- تشير المصادر إلى أن متوسط استهلاك الفرد في مصر من الدقيق يبلغ 180 كيلو جرام في حين أن المتوسط العالمي يبلغ 90 كيلو جرام، كما تبلغ حصيلة الاستهلاك المصري من القمح ما يُعادل نصيب 37 دولة أوروبية مجتمعة، انظر جريدة المصـري اليوم، 2 يناير 2010
*2- ابن عبدالبر القرطبي، بهجة المجالس
*3- انظر: ثمن القمح الروسي، روسيا اليوم
*4- انظر الدستور المصـري 
*5- كما وصفها العالم النفسي فرويد هي شخصية المرء في صورتها الشهوانية البحتة، حيث لا تتحكم في أفعاله أي صورة من العقل أو المنطق وإنما تتحكم فيها غرائزه وحاجاته البدائية على صورتها الأولى بدون أي اعتبارات أخلاقية أو اجتماعية 
*6- الشرح الممتع على زاد المستقنع، المجلد العاشر 
*7- علي الدين هلال، النظام السياسي المصـري بين إرث الماضي وآفاق المستقبل، القاهرة: الدار المصـرية اللبنانية، 2010، ص496 
*8- cf. Garaudy: "Perspectives de l'Homme",P.U.F.,1959.,P.340