السبت، 26 مارس، 2011

شِد الحزام على وسطك !!

قد تعتريكم الدهشة من هذا العنوان الذي سُقته لهذا المقال، أنا مثلكم أصابني ما أصاب بعضكم حينما سمعت تلك الجملة والتي سِيقت كمطلع أغنية للفنان سيد درويش، وحيث كان هذا الموقف وقت أن كنت طالبًا بالمرحلة الإعدادية فلم أجد في دنيتي الصغيرة حينها سوى والدي لأوجه له هذا السؤال: ما هذا ؟
فرد عليّ قائلًا " غنى الفنان سيد درويش هذه الأغنية في بداية القرن المنصرم أي منذ حوالي مئة عام - أكمل الوالد حديثه قائلًا: قديمًا كان العمال وتحديدًا الشَيالة يحملون الحمولة على أكتافهم ويربطون حزامًا على ظهورهم لكي يَصلب من عزمهم أثناء ممارستهم لهذا العمل الشاق ووقتها غنى سيد درويش لهؤلاء الكسالى " شِد الحزام على وسطك غيره ما يفيدك، لابد عن يوم برده ويعدلها سيدك، إن كان شِيل الحمول على ظهرك يِكيدك أهون عليك يا حُر من مَدّت إبدك "

وعلى مدار السنوات الماضية التي تلت هذا الموقف وحتى الآن وأنا في حالة استعداد وإدراك ذهني مُتقِد لوضع العمل وسوقه في مـصر، ولكي أبدأ في عرض الوضع الحالي الذي تحياه مصر خلال فترة زمنية قد تزيد عن عقدٍ بقليل، يتوجب عليّ أن أرصد لحضراتكم وضعًا آخرًا سبق تلك المدة الزمنية، وهو الوضع الذي بدأ مع بداية ثورة 23 يوليو وظل لسنواتٍ ليست بالقليلة في عهد الرئيس السابق مبارك.
حيث كان الفكر الاقتصادي الذي تنباه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فكرًا اشتراكيًا فقد ترك هذا آثارًا أراها سلبية على الوطن وأجياله المتعاقبة حتى الآن، فلما كان الشاب يتخرج من مرحلة تعليمه النهائية أجاد أو لم يُجِد في تحصيله ليجد مقعدًا للعمل محجوزًا له، سواء كان هذا المكان أو المؤسسة التي تحتوي هذا المقعد تحتاجه بالفعل أو لا، فأمر مدير هذه المؤسسة لم يكن ملكه، حيث تحولت من ضمن مئاتٍ غيرها لمؤسسات قطاع الأعمال العام الذي كان يُدار وقتها وفق منهجٍ ينص على أن الدولة هي المالكة الأولى لكل المصانع والمؤسسات، وهي المُنظمِة والمديرة والمدبرة لكل تفاصيل هذه المؤسسات، وحيث خرجت ثورة يوليو بحصيلةٍ لا بأس بها من الأموال نتيجةً لقرارات التأميم فقد استطاعت أن تظل لسنواتٍ تدفع فاتورة الخسارة التي نتجت عن هذا السلوك والذي رسخ فكرًا وثقافة مجتمعية شاملة مفادها التواكل.
الحديث هنا لا يجب أن يؤخذ على أنه انتقادٌ لقائد وفريق عمل له من المحاسن والإيجابيات ما لن تنساه ذاكرة الوطن أبدًا، لكنه حديثٌ يهدف لتصحيح وتصويب رؤية وثقافة فرضتها التجربة.

أعود لأقول أن هذا الفكر الاشتراكي الذي رسخ في المجتمع أن الوظيفة هي وظيفة حكومية في الأساس رَاكَم من أخطاء تمثلت في وجوب توفير القطاع العام للدولة فرصة عمل لأي خريج في أي مكانٍ به حتى لو لم تكن في تخصصه، حيث كان ينتظر الخريج جواب التعيين غير المشترط استحقاقه إلا بالحصول على الحد الأدنى من درجات النجاح فقط حاملًا إياه له ساعي البريد لمقر سكنه ليُمثل هو الآخر قدحًا مرًا تجرعته ثقافة المواطن في الوطن، وسأسترسل في عرض النتائج السلبية لهذا النظام الاقتصادي في صورة نقاط :
1. تحميل قطاع الأعمال العام عمالة لا يحتاجها بل في أحيانٍ كثيرة عمالة غير مناسبة لتخصص المؤسسة المعنية والتابعة لقطاع الأعمال العام.
2. هذا بدوره أفقد الخريج القدرة على الابتكار والإبداع إذ أنه يعمل في تخصصٍ ليس له من أمره شيء.
3. مع مرور الوقت والزمن نتج عن هذا منتجٌ غير مثالي ورديء مع العلم أن هذا لا يُعني أن الصورة كانت قاتمة إذ كانت ومازالت هناك مصانع ومؤسسات تُمثل علامة فارقة في تاريخ الوطن بكل مفرداتها مثل مجمع نجع حمادي للألومنيوم على سبيل المثال.
4. عَضد هذا إجمالًا من نمط سلبية المواطن تجاه الاعتماد على الذات وهو ما رَسخَ من ثقافة التواكل في المجتمع كما أشرت سابقًا.
ولقد ظل نمط التعيين الحكومي بحالته السابقة هو السائد في المجتمع حتى ما يزيد عن الخمسة عشر عامًا منذ تَولِي الرئيس السابق مبارك الحكم حتى ترهل قطاع الأعمال العام وصار في حالة سقمٍ شديد، وتزامن مع نهاية تلك المرحلة بداية مرحلة أخرى لتحرير الاقتصاد المصـري في بداية التسعينات واستمرت بصورة تدريجية خطط الخصخصة للمصانع والشركات، وكذا الحد من خطط التعيين الحكومي.
لا شك أن الحد من التعيين الحكومي أثارَ موجة غضب إذ خلق مناخًا وظيفيًا غير مستقر لشرائح عمرية نشأت وتَرَبَتْ على هذا النمط الذي استمر لقرابة النصف قرن، وعضد من هذا خطط الخصخصة التي صاحبها مشاكل جمة تعلق بعضها بفسادٍ في عمليات البيع أو سوء تقدير لثمن الصفقة وشروطها، وكان من نتائج هذا أيضًا تسريح الكثير من عمالة المصانع المخصخصة مما ضاعف من حجم البطالة لشرائح عمرية أخرى خرجت في سن المعاش المبكر، ليس هذا فحسب بل إن الفشل صاحب إدارة بعض المؤسسات المخصخصة وانهارت لتغلق.

هذا هو الجانب السلبي لكن ماذا عن الجانب الآخر المضيء ؟

قبل الإجابة عليّ توضيح وظيفة الدولة الحديثة كما رَوج لها أنصار السوق الحر والرأسمالية حيث تنحصـر في مفهوم: الدولة الحارس ، والمقصود بالدولة هنا أجهزتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهو توضيح هام إذ يلعب القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني الدور الأكبر في عملية الاستثمار وتوفير فرص العمل وعلى أجهزة الدولة السابق ذكرها توفير المناخ التشريعي والأمني والاستثماري للمستثمر والعامل لكي تستفيد المنظمة بكاملها ( الحكومة، المواطن والمستثمر ) وهو المثلث الذي يُشكل واقع الاقتصاد الوطني في النهاية ويُعبَر عن نجاحه بدرجة الرضا الوظيفي لدى الأفراد لكنه فعليًا غير موجود لدى شريحة سكانية، أتوقع أنها كبيرة جدًا حسبما تشير استطلاعات الرأي المختلفة، ولهذا تفسـير، سأعود له بعد طرح الجانب المضيء من تبعات التحول للسوق الحر:
القيمة الأهم من وجهة نظري تكمن في استثارة وإذكاء روح الاعتماد على الذات من قِبل الفرد في الحصول على فرصة عمل وهذا يتطلب توفر مهارات خاصة لأنه حينما سيتوجه لصاحب العمل لن يجد الطريق مفروشًا بالورود بل عليه أن يُثبت نفسه كصاحب مهارة، وهنا علينا أن نتحدث عن قصور في النظام التعليمي لا يؤهل الفرد لتملك هذه المهارة المناسبة لسوق العمل، ولأن الحديث عن تطوير النظام التعليمي وظهور نتائجه جلية يتطلب الصبر لسنواتٍ قد تمتد إلى ما بين عقدين لثلاثة فعلينا أن نلتمس خطوات مؤقتة قد تُساهم في تقويم الوضع المختل، وأرى أن الإشادة واجبة هنا للقرار الذي ألزم الجامعات بعدم إصدار شهادة التخرج للطالب إلا بعد اجتياز اختبارات شهادة ICDL *1 بنجاح.
وهي مبادرة رغم قيمتها إلا أنها لا تكفي وعلى الخريج أن يستثمر مبادرات أخرى سيعتمد فيها على نفسه بعض الشيء ومنها الحصول على المنح التدريبية التي توفرها مجانًا وزارة الاتصالات في شتى مجالات الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، وكذا هناك فرص التدريب التحويلي المختلفة والمجانية التي تسهم في توفيرها مختلف أجهزة الدولة.

لقد تحدثت عن فكرة التدريب واستهلاك المزيد من الوقت في التعلم بعد التخرج، وهو أمر له مردود سلبي على فردٍ قد يكون تخطى العشرين بعدة سنوات ولم يعمل بعد، لكنها ضريبة لابد وأن تدفعها أجيالٌ حتى يستقيم الوضع.
وهناك جوانب أخرى مضيئة في نظام السوق الحر مثل توسع الاستثمارات وتنوعها وتغطيتها لمجالاتٍ كانت من المرفهات ويصعب على الدولة الاستثمار فيها، وكذا تنوع الفكر الإداري لتلك المشاريع وهو ما يدفع بقدرٍ كبيرٍ من الأمان إذ أن النمط الواحد الذي كان يسير عليه القطاع العام لم يكن متاحًا له هامشٌ للمناورة فإما المكسب لكامل القطاع أو الخسارة لكامله، عكس الوضع الحالي.
وأيضًا هذا دفع بجودة المنتَج إذ أن مجال المنافسة داخل السوق الحر لا يسمح بالبقاء إلا للأقوى، والأقوى في الغالب يكون الأفضل وفي هذا مصلحةً للمستخدم النهائي للمُنتَج.
وبالطبع مع تعاظم الاستثمارات توفرت فرص العمل وزادت فرص الترقي، وزيادة الدخل المرتبطة بزيادة الإنتاج، وفي النهاية زادت قيمة الضـرائب المحصَلة والتي بدورها تُنفق على مشاريع الدعم والبنية التحتية والأساسية ومشاريع يصعب على القطاع الخاص أن يستثمر فيها بنمطِ الدعم الذي يتناسب مع الشرائح الأقل دخلًا.
ورغم كل هذا فواقع الرضا الوظيفي في المجتمع المصري يُناقض واقع النقاط المضيئة للسوق الحر، حيث ظلت مشاكل العمالة في بعض المؤسسات المخصخصة، وهو ما حدا بالجهاز التشريعي للدولة أن يشرع مؤخرًا قانون (امتياز حقوق العمال)*2 ليعالج الثغرات التي أفرزتها تجربة الخصخصة وفي هذا يظهر دور مفهوم: الدولة الحارس، وكذلك ظلت قدرة الفرد الذاتية على إيجاد فرصة العمل أو المُضي في الاستقلال الوظيفي بنفسه قليلة نسبيًا، ولعل هذا تفسره التجارب الشخصية لي حيث حرصت أثناء رئاستي لاتحاد الطلاب إبان دراستي الجامعية أن أنظم ندوات ولقاءات تجمع طلاب الفرقة النهائية برئيس الصندوق الاجتماعي للتنمية*3 بمحافظتي، ورغم الحوافز الكثيرة الممنوحة من الصندوق لشباب الخريجين مثل التمويل المادي بدون فوائد أو أحيانًا بفائدة زهيدة، والإعفاء الضريبي ومزايا التسويق والتدريب على المشروع قبل البدء فيه، وتوفير دراسات جدوى مجانية له - أقول أنه رغم هذا كنا نجد سلبية كبيرة من الشباب لمقابلة عروض الصندوق الاجتماعي رغم أن أغلبهم لا يعمل ولا يُوجد ما يلوح في الأفق بتوفر فرص كسب طيبة له، وهذا يُعضد الرؤية السابقة لي بالآثار السلبية التي تركها النظام الاشتراكي على المواطن المصري متمثلةً في عدم رغبته بالاستقلال الوظيفي أو السعي نحو إيجاد فرصة العمل المناسبة لمهارته وقدراته والتي تسمح له بالترقي والإبداع والابتكار.

وأحب هنا أن أشير لتقريرٍ صدر عن معهد بروكينجز*4 الأمريكي في الثاني من شهر مارس لعام 2010 شارك في إعداده سامانثا كونستانت المديرة المساعدة لبرنامج مبادرة الشباب في بروكينجز، حيث أشار التقرير إلى أن البطالة الإجمالية ليست مرتفعة جدًا في مصر وهي بشكلٍ عام في تراجع على مدار السنوات الماضية حيث سجلت معدلات البطالة 16.7% خلال عام 2009، وهو انخفاض كبير مقارنة بنسبة البطالة التي بلغت 25% في عام 1998.
كما أشار التقرير إلى أن العمالة الرسمية في سوق القطاع الخاص محدودة جدًا ولا تواكب التراجع الكبير في العمالة الملحقة بالقطاع الحكومي والتي أرى شخصيًا أنها على الرغم من شُحها إلا أنها أصبحت في الغالب حسب الحاجة الفعلية.

ولم يغفل التقرير الجانب السلبي للقطاع الخاص في مصر حيث مازالت هناك سلبيات قائمة بتراجع الدور الرقابي الحافظ لحقوق العاملين خاصة هؤلاء الملتحقين بمؤسسات صغيرة بعيدة عن أعين رقابة الأجهزة الحكومية المختلفة وعلى رأسها وزارة القوى العاملة، وشخصيًا أرى أن المواطن يتحمل جانبًا من هذا لأن السلبية المتراكمة في ثقافة المواطن دفعته لعدم الحرص على توثيق عقد عمله مع المؤسسة الخاصة وبالتالي يُلزمها ويلزم نفسه بكافة الحقوق المتبادلة التي ينص عليها قانون العمل المصري*5 والصادر برقم 12 لسنة 2003.

وأستخلص من حديثي السابق أننا في العقدين الأخيرين كنا نمر بمرحلة انتقالية وستظل بالرغم من أحداث ثورة يناير الأخيرة والتي أتوقع ألا تغير من تأصيل التوجه نحو السوق الحر، وإلى أن تتغير ثقافة المجتمع لتكون أكثر إيجابية في الاعتماد على الذات علينا أن نكثف من حملات التوعية بمزايا العمل الحر وبالحقوق والواجبات التي تكفلها التشريعات المختلفة الحاضنة لهذا السوق ونتحمل ضراوة المقاومة لهذه الحملات فليس من اليسير أن نغير ثقافة مجتمع استمرت قرابة النصف قرن بين عشيةٍ وضحاها.

وأختم حديثي متوجهًا لأفراد المجتمع: بأنه إذا كان الرضا الوظيفي أَوْلَى أولوياتكم فإن الإيمان المطلق بوجوب المبادأة الساعية للعمل من الفرد ذاته هو الحد الأدنى لثبوت أولوية التقدم المجتمعي وبالتبعية الرضا الوظيفي.

هوامش 
*1- شهادة الرخصة الدولية لقيادة الكمبيوتر، www.icdlegypt.gov.eg
*2- انظر جريدة المصري اليوم، 14 يونيو 2010
*3- انظر موقع الصندوق الاجتماعي على الإنترنت، www.sfdegypt.org
*4- معهد أمريكي عريق للدراسات الإنمائية، www.brookings.edu
*5- انظر قانون العمل المصري، www.egypt.gov.eg/arabic/laws/labour/Law_12/F_worklow_law12.aspx

الثلاثاء، 22 مارس، 2011

المسؤولية والمعارضة

" في الواقع لو قُلت أن السماء زرقاء سيقول أعضاء الحزب الجمهوري: لا ليست زرقاء ولو قُلت أن السمك يعيش في الماء، سيقولون أيضًا لا "
كانت تلك الكلمات من ضمن ما قاله الرئيس الأمريكي أوباما خلال خطاب ألقاه بمناسبة عيد العمال الأمريكي*1، ويظهر من خلال الكلمات انتقاده لأعضاء الحزب الجمهوري المعارض لحزبه الديمقراطي والذي لا يملك الأصوات البرلمانية الكافية لتمرير مشاريعه وخططه الإصلاحية والتي سعى أعضاء الحزب الجمهوري إلى تعطيلها بعذرٍ أو بدون حسب رؤية الحزب الديمقراطي، لتحقيق مكاسبٍ سياسية لحزبهم تؤهله لحصد صوت الناخب الأمريكي في الانتخابات التالية.
وقد تعمدت أن أضع التمهيد السابق لأوضح وأبين بصورةٍ جلية بأن لعبة المصالح وسيطرتها على أنماط السلوك البشري خلال أي زمنٍ في التاريخ وفي أي مكانٍ بالمعمورة لا مِراء فيه، وأن مشاكلنا في مصر لا تستأثر بها وحدها بل يتقاسمها معها العالم أجمع علا شأنه أو هبط، فتلك بلد الديمقراطية والحرية الأولى كما يَزعمون، تُسيطر على التعاملات بين قادتها لغة المصالح التي تفرض على ردود أفعالهم النأي عن المصلحة العامة أحيانًا لكيلا تتعرض مصالحهم الخاصة بتنظيماتهم السياسية للفَقد، وبدوره يقودني هذا للإشارة بأنه في سبيل هذا قد تتطور الأمور من مجرد الشجب وترويج الإشاعات لما هو أخطر بكثير، مثلما حدث عام 1963 باغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي على يد: لي هارفي، والذي بدوره اُغتيل على يد: جاك روبي بإيعازٍ من المافيا. وفي الوقت الذي كان فيه الحاكم الضحية، كانت الحكومة بعده بسنواتٍ هي الجانية إذ يقتنع الكثيرون في أمريكا بأن المتعصب الأبيض جيمس راي الذي قتل الثائر الحقوقي والمناهض للتفرقة العنصرية: مارتن لوثر كينج عام 1968 ما كان إلا أداة من صنع المخابرات الأمريكية.*2
ومع مرور السنوات ازدادت التجربة الديمقراطية الأمريكية نضجًا، وصارت ثقافة المجتمع الأمريكي على الأقل في الانتخاب وحق تقرير المصير تميل إلى مستوى الجماعة المنظمة كما نصنفها نحن معشر الاجتماعيين، وهي الجماعة القادرة على اتخاذ قرارها بنفسها وتقبل الآخر والتكيف مع رأي الجماعة، وهذا يتطلب المرور بتجارب وخبرات قيمية كثيرة، وربما أظهرها بشكلٍ جَلي انتخاب باراك أوباما ذو الأصول الأفريقية رئيسًا لأمريكا.
هذا التمهيد ما كان الدافع منه إلا لكي أُسقط الضوء على الحالة الماثلة أمامنا الآن في وطننا مصر، فالحديث عن الحريات والمطالبة بتطبيق معايير حقوق الإنسان لا ينقطع، وكذا فالرؤية العامة من الشرائح المجتمعية المطالبة بالحقوق والمعارضة للحاكم لا تنفك عن أنها رؤية مغلفة باتهام الحاكم أو أي تنظيم في موقع سلطة دومًا بأنه مُضطهِد ولا يمنح المجتمع المستقل أو المعارض حقوقه وحرياته، وإن أعطاها فهو يُعطيها مُجبَرًا على هذا نتيجةً لكفاح المعارضة، وهذا الاتهام من شأنه أن يُوَلد مسوغاتٍ لأفعالٍ ترى الفئات المعارضة أنها السبيل للحصول على الحقوق المغتصبة، ومنها على سبيل المثال:
المظاهرات الحاشدة والمستمرة، والتظاهر في حد ذاته ليس مرفوضًا بل هو إحدى الحقوق الأساسية للمواطن ليُعبر من خلاله عن عدم ملاءمة الوضع المعين لقناعته، لكن لو نظرنا للتظاهر في المجتمعات الناضجة لوجدنا أنه يجب أن يسبقه آليات أخرى للتعبير عن الرأي سلامةً وحفظًا للمجتمع من رِدة فعل المظاهرات والتي غالبًا ما يُصاحبها قدرًا من الحمية، ومن تلك الآليات التصويت في الانتخابات على مستوياتها المختلفة سواء البلدية أو على مستوى البرلمان أو الرئاسة، وكذا استطلاعات الرأي في تلك المجتمعات فتحظى كلها بقدرٍ كبيرٍ من الموضوعية يكفل لها رِدة فعل إيجابية، وما سبق هو إحدى أدوات التفويض والتي لم يثبت أنها نجحت عندنا في مصر نظرًا لأن عملية التفويض لم تكن تتم بشفافية يثق المُفوِض في نتيجتها.
وأيضًا يجب أن ننظر لشكل التظاهرات في مصر حينما تتحول لسلوكياتٍ تدميرية تدعوا لغلق المدارس والمصانع والانقطاع عن الذهاب لمؤسسات العمل المختلفة، حينها لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تكون تلك المظاهرات من قبيل الأدوات التعبيرية الناضجة للمواطن.
والحل في تعميق ثقافة التمثيل الصحيح للمواطن من خلال النقابات والمؤسسات السياسية الأخرى مثل الأحزاب خاصة وأن الخوف من ممارسات تزوير الانتخابات زال بشكلس كبيرٍ مع تجربة الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة.
حسنًا اتفقنا على أن الأداة المثالية للتعبير عن الرأي يجب أن تكون من خلال المستوى التمثيلي للمواطنين متمثلة في كوادر الأحزاب والنقابات، ولأن الغالبية العظمى من سكان مصر لا تنتمي لأحزابٍ أو نقابات رغم أنها الغطاء المؤسسي والشرعي لمزاولة النشاط السياسي في كل دول العالم، لذا فمن البديهي أن نفكر في أن المظاهرات الفئوية التي حدثت مؤخرًا خاصة بعد تنحي الرئيس السابق مبارك نابعة من انعدام الثقة في تلك التنظيمات، وأتصور أن إحدى جوانب عدم الثقة في الأحزاب عدم طرحها البديل الجاد فعلى أرض الواقع وكما أزعم أننا لو نظرنا لشريحة كبيرة من الأحزاب المعارضة لرأيناها تنتقد ولا تطرح البديل المصحوب بدراساتٍ علمية صالحة للتطبيق للحد من أزمة البطالة مثلًا، وينصب هم أغلب تلك الكيانات المعارضة على المطالبة بالحريات الفردية فحسب، وأمر انتقال السلطة من الحاكم للمعارضة لأنه يُعارض فقط رغم أن انتقال السلطة حسب رأي الأغلبية أمرًا قيمًا، لكن من ناحية المنطق: ما الجدوى من انتقال السلطة مع عدم وجود الحلول البديلة والدقيقة للمشاكل لدى المنتقلة إليه ؟
وهل لمجرد التغيير فقط يجب أن تنتقل السلطة ؟!
 ولأن فاقد الشيء لا يُعطيه ،فمن باب المسؤولية يتوجب على الأحزاب المعارضة أن تقدم الحلول العملية مصحوبة بالمرونة في التفاهم حولها لتطبيقها أو بعض بنودها، لا أن تُصر على أنها كلها القسطاس المستقيم الأوحد. 
لا أستطيع أن أخفي قناعتي بأن حالة عدم الثقة المنتشرة حاليًا ونتائجها على المجتمع المصري تظهر جَلية في صورة تفتقر لثقافة الاختلاف، فالمختلف عنك قد يكون عدوك، أو وُجد ليحاربك لا ليتكامل معك، ليعزز هذا من الرؤية بانعدام وجود ثقافة اختلافٍ ناضجة تؤمن بالاختلاف وتتكيف مع رأي الأغلبية، وهذا المناخ من وجهة نظري طاردًا للعمل وللإنجاز، وفي وجوده لن تستقيم حياة المجتمع القائمة على التعددية في الرؤى والأفكار. وهو ما يتطلب أن نواجهه بحسمٍ في هذه المرحلة، وهي مرحلة يجب أن يتيقن الجميع من أهمية وجود الأحزاب المؤيدة والمعارضة فالنهوض بالمجتمع ليُلبي ويُشبع رغبات أفراده يتطلب تآزر الجهود المعارضة والمؤيدة على السواء، وهذا من وجهة نظري يتطلب أن نحارب الغلو في الاعتقاد بنظرية المؤامرة سواء تلك المدفوعة من قِبل المعارضة بأن الحكومة تعمل على إبادتها لتظل مسيطرة على الحكم، أو الأخرى المعتقدة بأن المعارضة مدعومة من الخارج لقلب نظام الحكم أو غير ذلك من التهم.
ورغم يقيني بأن فكرة الاعتقاد في نظرية المؤامرة تحمل تباينًا في الإيمان بها داخل التنظيم السياسي الواحد إلا أنها موجودة، ولكي نحاربها علينا أن نمنح أنفسنا قدرًا أعلى من الثقة في الآخر حتى لو اختلف معنا، وتلك الثقة سَتُعضَد مع ازدياد العلم والمعرفة والاطّلاع والتوعية، فالعقول الفارغة من المعرفة هي أكثر العقول تصديقًا بأوهام نظريات المؤامرة، وأكثرها سماحة وتقبلًا للآخر أكثرها علمًا ومعرفة.
ولنعلم أن هذا لن يكون بين عشية وضحاها فهو يحتاج لتجاربٍِ ووقتٍ لكي تستوعبه ثقافة المجتمع، وقد طرحته لكي يكون نصب الأعين ونحن في المرحلة الجديدة التي تمر بها مصرنا الحبيبة.
وأختم قولي بما نُقل عن الإمام الشافعي رضي الله عنه إذ قال "ما ناظرت أحدًا إلا قُلت: اللّهُمَّ أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإن كان الحق معه اتبعته". 
هوامش
*1- كان هذا خلال زيارته لميلووكي، ويسكنسن، شمال الولايات المتحدة، في السادس من سبتمبر لعام 2010، انظر هـــنــــــا
*2- انظرtru TV من هــنـــــا

السبت، 12 مارس، 2011

الماضي والحالي والقادم

أزعم أن غالبية أفراد هذا الوطن من أي حزب كان أو فصيل عقائدي تُحب هذا الوطن وتُخلص له، وتُشاهد في إدارتها له طريق الخلاص والرقي، وربما حتى يروق لأحدهم بعض الأنماط الديكتاورية ظنًا منه بأنها الأصح للوقت والزمان الحالي، وأنا شخصيًا كنت أقتنع بحدودٍ معينة بسياسة المستبد المستنير وربما يكون أشهر من تنطبق عليه تلك النظرية الملك فريدريك الثاني الكبير، وربما تتوافق تلك النظرية مع ما نسميه لدينا في الخدمة الاجتماعية بالنظام الأبوي.
ربما جانبني الصواب وربما لا- كل ما أعرفه الآن أن عقيدتي وأنماطي السلوكية كانت نابعة من حبي لهذا الوطن.
لكن دعوني الآن أوجز أسباب المشكلة الحقيقية التي تحياها مصر من وجهة نظري والتي لها دلالات على قناعاتي الأخرى:
فمصر دولة عظيمة وتستحق ريادة ليست ملكها الآن، وهذا يستحق العمل والجد والمثابرة والتضحية، وهذا بدوره يتطلب ثقافة عاملة قادرة على النهوض بنفسها، لكن هيهات ! فالواقع أننا لا نملكها وإن كانت الغالبية تدعي هذا، وبالطبع هناك استثناءات لكن الشاذ لا يُقاس عليه، وثقافة المجتمع كان يمكنها أن تنهص بعد ثورة يوليو لكنها وللأسف كانت كالمقصلة التي عضدت من فكر التواكل وأهل الثقة ونظرية أن الدولة مسؤولة عن المواطن من المهد إلى اللحد، وهو ما تحدثت عنه من قبل بمثالٍ دقيق وجَليّ هـــنــــا، فأصبح التغيير مطلبًا لا مِراء فيه، وهو يتطلب آليات التدرج فتغيير ثقافة الشعوب من أصعب ما يكون والله سبحانه وتعالى حينما حرم الخمر حرمه على ثلاثة مراحل ليستوعبه الناس، وعليه سأتناول ما على النظام الاشتراكي الذي طُبق في مصر إبان الرئيس الراحل جمال عبدالناصر باستفاضة في مقالاتي القادمة.

لكن كيف يكون الإصلاح ؟ 
من وجهة نظري أننا كنا بحاجة لنقلة نوعية لنظام اقتصادي واجتماعي أقرب للرأسمالية والذي أراه أكثر عدالة، وتلك النقلة يجب أن تكون تدريجية فالانتقال السريع من الاشتراكية للرأسمالية سيُفضي لكوارثٍ مجتمعية، ومعه كان يجب أن ننتقل من ثقافة الحزب الواحد للتعددية الحزبية لنضمن إصلاحًا سياسيًا وديمقراطيًا، لكن هل المجتمع المصري بالفعل يملك الأهلية لممارسة الديمقراطية ؟
وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نرصد بعض المعطيات:
  • وجود نسبة عالية من الأمية في المجتمع المصري
  • سيطرة العصبية القبلية والعائلية على الصوت الانتخابي
  • سيطرة العاطفة وبشدة على قراراتنا
ومن العاطفة مثلًا أنه لو قام أحد الناس بالدعوة لرأي باستخدام لغة الدين لانجذب الغالبية سريعًا له، وربما يكون الرأي بعيدًا عن الصحة والصواب، ولهذا علاقة بالجهل والأمية أيضًا.
وعليه فلو فتحنا الباب لديمقراطية حقيقية لرأينا أحزابًا وفرقًا وجماعات على كل الأشكال والألوان، وليس في هذا مشكلة فالاختلاف سنة كونية والله يقول في كتابه:
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) [هود:119،118]
لكن المشكلة في أن تقوم الأحزاب على أساس طائفي أو ديني والتجارب من حولنا تكشف عن حجم المعاناة، فالعراق ليس بعيدًا عنا، ومشهد حزب الله في لبنان يقتل أي أمل في حزبية دينية، وكلما اختلفت الفرق السياسية هناك تحدثت لغة السلاح الخاص بحزب الله، وحتى مع الفرق الدينية الأقل تعصبًا مثل جماعة الإخوان لا تَمنحني أي بادرة للاقتناع بها فالحزب الحاكم في السودان أتى بانقلاب عسكري من رحم جماعة الإخوان وحركة حماس قبل أن تصل للسلطة نالت دعمًا جماهيريًا واسعًا من الشعب الفلسطيني وبعد أن وصلت للسلطة تغير الوضع كثيرًا فانقلبت على شركائها ورفضت ومازالت: إجراء أي انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة في فلسطين. 
حسنٌ:  لدينا في علم الخدمة الاجتماعية نقسم المجتمعات لأنواع وشرائح والمجتمع القادر على اتخاذ قراره بنفسه ليكون في الغالب لصالحه والوطن هو مجتمع الجماعة المنظمة ويناسبه النظام الديمقراطي، وهناك المجتمع غير القادر على اتخاذ قراره السليم بنفسه ويناسبه النظام الأبوي (الأوتوقراطي) وهو ما أتصور أن القيادة السياسية السابقة كانت تطبقه وأنا شخصيًا على قناعة به مع اختلاف على بعض الأدوات هنا وهناك
المهم: أن قناعتي كانت تقول بأن علينا أن نقطع شوطًا في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي أولًا، ومن ثم ننتقل لتدرج في الإصلاح السياسي لأن تغيير الثقافة والمفاهيم لن يحدث إلا مع حياة اقتصادية واجتماعية طيبة، وعليه فكان من الممكن أن أتغاضى عن تأخر الإصلاح السياسي والديمقراطي في مقابل الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي 
لكن هذا ليس معناه قبولي مثلًا بممارساتٍ تعذيبية من قبل قياداتٍ أمنية وما كان يكشف عنه للإعلام وتثبته التحقيقات كنت أدينه بحزمٍ وبطبعي أمقت العنف بكل أشكاله، وما كنت أركز عليه شخصيًا اتجاهيّ الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وأزعم أن إصلاح السياسات المالية تم بشكلٍ أشادت به مختلف المؤسسات المالية العالمية، لكن في المقابل لم تكن السياسة الاجتماعية بنفس السرعة لكنها كانت قائمة خاصة في الموجة التشريعية الأخيرة، حيث شُرع العام الماضي قانونيّ التأمينات الاجتماعية الجديد والضمان الاجتماعي، وخلال الدورة التشريعية الجديدة لمجلس الشعب المُنحل كانت ستخرج جملة من القوانين المعنية بالاصلاح الاجتماعي مثل قانوني التأمين الصحي الجديد والوظيفة العامة الجديد وحسب مسوداته التي اطّلعت عليها وعُرضت لنقاشٍ واسع على المجتمع كان سيعالج اختلالات الأجور والهيكل الإداري للدولة، وأيضًا أشدد على عدم قبولي لحالات الفساد المالي التي كُشف عنها فهي مرفوضة جملة وتفصيلا، ومع الإيمان المطلق بضرورة حسابها الأمس وبعد الثورة فعلينا الإيمان بنظرية الممكن والمُتاح فمن خلال متابعتي للوضع العالمي خلال العامين الماضيين انهارت اقتصاديات العديد من الدول مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا، وظل الوضع العام في مصر متماسكًا ولم يحدث أن أفلس أي بنك مصري على سبيل المثال أو خُفضت رواتب حكومية مثلما حدث في بريطانيا مثلًا.
وسبق وتحدثت عن الإصلاحات التشريعية منذ عام مضى، ورغم قناعتي بأنها لا تكفي لكن أيضًا كنت أُصر ومازلت على أن أي خطوة إصلاحية مباشرة وسريعة لن تؤتي ثمارها مادامت ثقافة المواطن ذاته مازالت تعيش في رحاب الاشتراكية وآثارها السلبية، وكما يقول الشاعر:
إنّ الرياحَ إذا اشتدتْ عواصفها ** فما تضرُّ سوى العالي من الشجرِ
النظريات تختلف وكل فرد يحاول أن يجتهد بنظرياته لإيجاد الأصلح وقد حاولت واجتهدت وأعرف أنه لا يوجد هذا القرار السليم تمامًا فكل له ما له وعليه ما عليه، وعلينا دائمًا أن نوازن بين المكاسب والخسائر وعليه كان قراري برفضي للثورة.
لماذا رفضت الثورة ؟
أحب أن أقرأ في التاريخ وأتعلم منه والتاريخ الحديث يقول: أنه ما من ثورة إلا وكانت لها تبعاتها السلبية، فمثلًا: قام الشعب الروسي بثورة عام 1917 وبعد ذلك سيطر عليها البلاشفة
وثورة أحمد عرابي وسعيه للكفاح الثوري وعدم قبوله بالحلول الوسط التي كان ينصحه بها معلمه: علي باشا مبارك أدت في نهاية الأمر للاحتلال الإنجليزي لمصر
والثورة الفرنسية قُتل فيها آلاف، وظلت لعشر سنوات، ونعمة الأمن مقدمة عندي على الديمقراطية والصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم يقول:
(( نعمتان مجحودتان: الصحة في الأبدان والأمن في الأوطان ))
والحياة الديمقراطية تأتي بالتدرج فحزبيّ أمريكا قاما بعد ثمانين عامًا من الثورة الأمريكية، والقراءة الشخصية لي ولنخبٍ كثيرة داخل الحزب كانت توحي بأن إصلاحات سياسية واسعة مؤجلة للفترة الرئاسية القادمة.
هل نجحت الثورة ؟
ليس من الحصافة أن يقول أي مخلوقٍ الآن أنها نجحت أو فشلت، وربما تزيل مفسدًا ليأتي آخرون مثله أو أشد وربما لا، لذلك أتصور أن علينا أن نصبر لشهورٍ وربما لسنواتٍ لنُقَيم آثارها بموضوعية.
هل أتمنى نجاحها ؟
الزمن لن يعود إلى الوراء وما أتمناه حاليًا أن تنجح الثورة لأجل مصر فكل النظم تُسخر لخدمة الشعوب وإن كانت تلك الثورة ستعود بالخير على الوطن فأهلًا بها، وأتمنى هذا من كل قلبي.
ما الذي أحمله لمبارك ؟
سألني أحد الزملاء منذ شهورٍ عن رغبتي في المرشح القادم لرئاسة مصر، فقلت له لا أتمنى أن يدخل الرئيس مبارك مرة جديدة، فاندهش وقتها بشدة، فقلت له الرئيس مبارك كبر وأدى ما عليه ويجب أن ننتقل لمرحلة جديدة بها حيوية كتلك التي بدأ بها الرئيس السابق مبارك، والحق أنني شخصيًا كنت سأدعم أي مرشح يرشحه الحزب الوطني احترامًا واجتهادًا في الممارسة الحزبية السليمة، لكن عن وجهة نظري في مبارك فقد حملت له مطلق التقدير على تاريخه العسكري ولو حاول البعض تشويهه ولست مع تهويله لكنه بحقٍ صاحب تاريخ عسكري مشرف كغيره من قادة العسكرية المصرية، والأمر الآخر أنني بالفعل أعتز به كقائد مدني أعطى واجتهد وفي عهده عُمرت مصر ببنية تحتية وأساسية عملاقة وكما له فعليه، وشخصيًا لن أدافع عنه إن أثبت القضاء مشاركته في فسادٍ مالي، ولا أعفيه الآن من مسؤوليته المباشرة وغير المباشرة عن سوء الاختيارات، لكن أيضًا لا أستطيع نسيان هذا الرجل الهرِم الذي قابلته عام 2005 بإحدى قرى مدينة دسوق وقد قضى فترة تجنيده تحت قيادة القائد العسكري مبارك ليكشف لي العديد من الجوانب الإنسانية في شخصية هذا الرجل.
على كل حال كما قال التاريخ كلمته في الخديو اسماعيل على سبيل المثال ووضح ما له وما عليه سأترك الحكم على الرئيس السابق مبارك هو أيضًا للتاريخ.
القادم
أعلنت من قبل عن تركي للحزب الوطني وفعليًا كنت استقلت من موقعي التنظيمي فيه منذ ثلاث سنوات لكن بقيت عضوًا عاملًا طوال الفترة الماضية، وقد أتت استقالة أستاذي مؤخرًا من الحزب لتقف أمام أي فكرة للعودة إليه، ورغم قناعتي بأن الممارسة السياسية يجب أن تكون من خلال الأحزاب لكن قراري الحالي هو ترك الأحزاب والاهتمام بالتوعية والتثقيف السياسي عِوضًا عن الدور الحزبي وسألجأ للاهتمام بعملي الإعلامي الذي أهملته كثيرًا وضحيت بأكثر من فرصة لكي أضمن الحيدة لقناعتي السياسية التي عملت لأجلها تطوعًا وبدون أي مأربٍ خاص.
والله أسأله الصلاح والهداية لي وللوطن

الثلاثاء، 8 مارس، 2011

ادرؤوا الحدود بالشبهات

الكشف عن العديد من التجاوزات لأفراد وجهات في مؤسسة الحكم السابقة يَفرض علينا مراجعة الذات في كثيرٍ من الأمور، والمراجعة تتضمن تلك البنود: رصد، تقييم، تقويم
والحديث هنا يجب أن يكون على عدة مستويات: الفرد والجماعة والتنظيم 
حسنًا التقويم يشمل الحساب، حساب الفرد لنفسه أو للآخر على المستويات الثلاث السابق ذكرها، والحساب الذي أقصده أو يقصده الغالبية العظمي من متابعي المشهد المصري الآن كأولوية أولى هو حساب كل مسؤول في أي مستوى تنظيمي ساهم وشارك في الفساد، وبدون شكٍ لا يوجد أي شخصٍ سَوي الخُلق والفكر يريد التستر على مفسدٍ وأزعم أني من أسوياء الخُلق على الأقل، لكن الاندفاع الحالي في تخوين الكل سيُفضي بنا إلى كارثة تُذكرني بمحاكم التفتيش التي نشأت في القرنين الخامس والسادس عشر في أوروبا لإبادة الهراطقة بالحرق أو التعذيب، وكان كل من يُشك في أمره يُعذَب إلى أن وصل إجمالي من عُذب إلى ثلاثمئة ألف من البروتستانت ومئة ألف بلغاري وفرنسي وأرثوذكسي. 
والفساد ليس بدعة كونية فهو بيننا في كل مكان وزمان ولم تسلم دولة متحضرة أو ناشئة منه، وأمس على سبيل المثال بدأت محاكمة أحد أشهر رؤساء فرنسا السابقين: جاك شيراك في قضية فساد ليست الأولى له، وأولها أتذكرها حيث كانت قبل انتخابات الدورة الرئاسية الأخيرة له عام 2001، لكن الفارق بين هنا وهناك، أن المتهم هناك يحظى بأقصى درجات العدالة من خلال محاكمة عادلة تمنحه ما له وما عليه ولا تُجَرم صحيفته إلا بعد اثبات التهمة عليه.
وعلى النقيض من هذا يحدث في مصر، فالكل يتهم هذا أو ذاك لمجرد أنه سمع هذا يقول عنه أو شاهد صورة قد تؤخذ على غير سياقها أو قرأ وثيقة على شبكة الإنترنت لا يعلم أي مخلوق مدى صحتها، والصواب هنا أن نتوجه بأي مستندٍ يدين أي فرد لجهات التحقيق لتتولى هي التأكد مما على المستند وما له، وتصدر هي القرار، لكن أن نستبق التحقيقات فهذا من الجَور والظلم ولم يحثنا ديننا عليه، ولنا عِبرة في قصة حديث الإفك الخاص بالسيدة عائشة زوجة رسولنا الكريم التي اُتهمت بهتانًا في شرفها وظلت شهرًا يتناول الناس سيرتها وظل الرسول الكريم صامتًا طوال هذا الشهر إلى أن نزل الوحي من الله ليبرأ ساحة السيدة عائشة رضي الله عنها، وإليكم قول العزيز الحكيم:
" إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ، لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ، وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ" [سورة النور]
هل المطلوب إذن من حديثي هو الغفلة ؟
لا - بل اليقظة، واليقطة من أهم بنودها: التنبه والفصل بين المواقف والأدوار، فليس معنى قولي التمهل قبل إعلان التهم على الفرد رغبتي في التستر عليه، لكنها رغبة في توخي أقصى درجات الدقة والعدالة في التحقيق لكي لا يُظلم أي مخلوق، وإليكم حديث سيد الأنام صلوات الله وسلامه عليه والوارد في سنن الترمذي في باب ما جاء في درء الحدود: " ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة " 
أعلم أن الشباب المنفعل هنا على صفحات الإنترنت يتهمني بأن تحيزي لهذا الرأي ينبع من نشاطي وعضويتي السابقة حتى وقتٍ قريبٍ في الحزب الوطني وأعذرهم لعدة أسباب، وأولها: أنهم لم يحتكوا بالفعل بي على أرض الواقع، وثانيها: لأن الغضب وفتوة الشباب تُشعل ثورتهم، وأقول لهم: هذا موقفي مع الجميع ولم يتغير يومًا، ولم أكن في موقع سلطة لكي أخشى أو أخاف محاكمة لكنه مبدأ لا يتلون أو يتغير بتغير الحال كما فعل غيري وهم كُثر وقفزوا إلى سدة النفاق والرياء واعتلوا منصة زائفة من الشجاعة، ولو عرف أحدكم أني اتهمت أي مخلوق خاصة من أهل المعارضة بأي اتهام قبل أن تقول جهة التحقيق قولها وأعلنت هذا على مدونتي أو على أي موقع آخر فعليه محاكمتي وسأتقبل هذا
يا رفاق: تلك قيمة مهنية رفيعة علينا أن نتبعها، فأقلعوا عن التشكيك في ذمم الجميع وتخوين الكل لمجرد الشك أو الريبة أو الاختلاف في وجهات النظر فوالله إنها فتنة مُحدِقة بنا وبمجتمعنا، ولا تغلقوا الباب بالصوت المرتفع والقذف والاتهام بدافع الحماس والوطنية قبل ترك الفرصة للحوار، ومما ذُكر عن أبو الدرداء أن رجلًا استغرق في سبه وصحابته فكان رد أبو الدرداء عليه " يَا هَذَا لا تُغْرِقَنَّ فِي سَبِّنَا وَدَعْ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا فَإِنَّا لا نُكَافِئُ مَنْ عَصَى اللَّهَ فِينَا بِأَكْثَرَ مِنْ أَنْ نُطِيعَ "
وأقول للجميع لا تخلطوا الحابل بالنابل فليس كل ما صُنع في عهد مؤسسة الحكم السابقة فاسدًا وليس كل من شارك فيه من المفسدين، لا والله - وقد عملت في الحزب الوطني في مستويات تنظيمية معينة وشرفت بكل دقيقة عملٍ قضيتها فيه وكلها كانت تطوعًا مثل آلاف غيري، والآن كما هو أمسي في قناعتي الخاصة بتقويم ومحاسبة كل فرد أساء للوطن بأي قدرٍ شريطة أن يتم ذلك في إطارٍ يكفل للمتهم أن يُعامل كالبريء حتى تثبت إدانته بواسطة أجهزة التحقيق المختصة لا الأفراد والمجتمع الثائر.