الثلاثاء، 22 مارس، 2011

المسؤولية والمعارضة

" في الواقع لو قُلت أن السماء زرقاء سيقول أعضاء الحزب الجمهوري: لا ليست زرقاء ولو قُلت أن السمك يعيش في الماء، سيقولون أيضًا لا "
كانت تلك الكلمات من ضمن ما قاله الرئيس الأمريكي أوباما خلال خطاب ألقاه بمناسبة عيد العمال الأمريكي*1، ويظهر من خلال الكلمات انتقاده لأعضاء الحزب الجمهوري المعارض لحزبه الديمقراطي والذي لا يملك الأصوات البرلمانية الكافية لتمرير مشاريعه وخططه الإصلاحية والتي سعى أعضاء الحزب الجمهوري إلى تعطيلها بعذرٍ أو بدون حسب رؤية الحزب الديمقراطي، لتحقيق مكاسبٍ سياسية لحزبهم تؤهله لحصد صوت الناخب الأمريكي في الانتخابات التالية.
وقد تعمدت أن أضع التمهيد السابق لأوضح وأبين بصورةٍ جلية بأن لعبة المصالح وسيطرتها على أنماط السلوك البشري خلال أي زمنٍ في التاريخ وفي أي مكانٍ بالمعمورة لا مِراء فيه، وأن مشاكلنا في مصر لا تستأثر بها وحدها بل يتقاسمها معها العالم أجمع علا شأنه أو هبط، فتلك بلد الديمقراطية والحرية الأولى كما يَزعمون، تُسيطر على التعاملات بين قادتها لغة المصالح التي تفرض على ردود أفعالهم النأي عن المصلحة العامة أحيانًا لكيلا تتعرض مصالحهم الخاصة بتنظيماتهم السياسية للفَقد، وبدوره يقودني هذا للإشارة بأنه في سبيل هذا قد تتطور الأمور من مجرد الشجب وترويج الإشاعات لما هو أخطر بكثير، مثلما حدث عام 1963 باغتيال الرئيس الأمريكي جون كينيدي على يد: لي هارفي، والذي بدوره اُغتيل على يد: جاك روبي بإيعازٍ من المافيا. وفي الوقت الذي كان فيه الحاكم الضحية، كانت الحكومة بعده بسنواتٍ هي الجانية إذ يقتنع الكثيرون في أمريكا بأن المتعصب الأبيض جيمس راي الذي قتل الثائر الحقوقي والمناهض للتفرقة العنصرية: مارتن لوثر كينج عام 1968 ما كان إلا أداة من صنع المخابرات الأمريكية.*2
ومع مرور السنوات ازدادت التجربة الديمقراطية الأمريكية نضجًا، وصارت ثقافة المجتمع الأمريكي على الأقل في الانتخاب وحق تقرير المصير تميل إلى مستوى الجماعة المنظمة كما نصنفها نحن معشر الاجتماعيين، وهي الجماعة القادرة على اتخاذ قرارها بنفسها وتقبل الآخر والتكيف مع رأي الجماعة، وهذا يتطلب المرور بتجارب وخبرات قيمية كثيرة، وربما أظهرها بشكلٍ جَلي انتخاب باراك أوباما ذو الأصول الأفريقية رئيسًا لأمريكا.
هذا التمهيد ما كان الدافع منه إلا لكي أُسقط الضوء على الحالة الماثلة أمامنا الآن في وطننا مصر، فالحديث عن الحريات والمطالبة بتطبيق معايير حقوق الإنسان لا ينقطع، وكذا فالرؤية العامة من الشرائح المجتمعية المطالبة بالحقوق والمعارضة للحاكم لا تنفك عن أنها رؤية مغلفة باتهام الحاكم أو أي تنظيم في موقع سلطة دومًا بأنه مُضطهِد ولا يمنح المجتمع المستقل أو المعارض حقوقه وحرياته، وإن أعطاها فهو يُعطيها مُجبَرًا على هذا نتيجةً لكفاح المعارضة، وهذا الاتهام من شأنه أن يُوَلد مسوغاتٍ لأفعالٍ ترى الفئات المعارضة أنها السبيل للحصول على الحقوق المغتصبة، ومنها على سبيل المثال:
المظاهرات الحاشدة والمستمرة، والتظاهر في حد ذاته ليس مرفوضًا بل هو إحدى الحقوق الأساسية للمواطن ليُعبر من خلاله عن عدم ملاءمة الوضع المعين لقناعته، لكن لو نظرنا للتظاهر في المجتمعات الناضجة لوجدنا أنه يجب أن يسبقه آليات أخرى للتعبير عن الرأي سلامةً وحفظًا للمجتمع من رِدة فعل المظاهرات والتي غالبًا ما يُصاحبها قدرًا من الحمية، ومن تلك الآليات التصويت في الانتخابات على مستوياتها المختلفة سواء البلدية أو على مستوى البرلمان أو الرئاسة، وكذا استطلاعات الرأي في تلك المجتمعات فتحظى كلها بقدرٍ كبيرٍ من الموضوعية يكفل لها رِدة فعل إيجابية، وما سبق هو إحدى أدوات التفويض والتي لم يثبت أنها نجحت عندنا في مصر نظرًا لأن عملية التفويض لم تكن تتم بشفافية يثق المُفوِض في نتيجتها.
وأيضًا يجب أن ننظر لشكل التظاهرات في مصر حينما تتحول لسلوكياتٍ تدميرية تدعوا لغلق المدارس والمصانع والانقطاع عن الذهاب لمؤسسات العمل المختلفة، حينها لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال أن تكون تلك المظاهرات من قبيل الأدوات التعبيرية الناضجة للمواطن.
والحل في تعميق ثقافة التمثيل الصحيح للمواطن من خلال النقابات والمؤسسات السياسية الأخرى مثل الأحزاب خاصة وأن الخوف من ممارسات تزوير الانتخابات زال بشكلس كبيرٍ مع تجربة الاستفتاء على التعديلات الدستورية الأخيرة.
حسنًا اتفقنا على أن الأداة المثالية للتعبير عن الرأي يجب أن تكون من خلال المستوى التمثيلي للمواطنين متمثلة في كوادر الأحزاب والنقابات، ولأن الغالبية العظمى من سكان مصر لا تنتمي لأحزابٍ أو نقابات رغم أنها الغطاء المؤسسي والشرعي لمزاولة النشاط السياسي في كل دول العالم، لذا فمن البديهي أن نفكر في أن المظاهرات الفئوية التي حدثت مؤخرًا خاصة بعد تنحي الرئيس السابق مبارك نابعة من انعدام الثقة في تلك التنظيمات، وأتصور أن إحدى جوانب عدم الثقة في الأحزاب عدم طرحها البديل الجاد فعلى أرض الواقع وكما أزعم أننا لو نظرنا لشريحة كبيرة من الأحزاب المعارضة لرأيناها تنتقد ولا تطرح البديل المصحوب بدراساتٍ علمية صالحة للتطبيق للحد من أزمة البطالة مثلًا، وينصب هم أغلب تلك الكيانات المعارضة على المطالبة بالحريات الفردية فحسب، وأمر انتقال السلطة من الحاكم للمعارضة لأنه يُعارض فقط رغم أن انتقال السلطة حسب رأي الأغلبية أمرًا قيمًا، لكن من ناحية المنطق: ما الجدوى من انتقال السلطة مع عدم وجود الحلول البديلة والدقيقة للمشاكل لدى المنتقلة إليه ؟
وهل لمجرد التغيير فقط يجب أن تنتقل السلطة ؟!
 ولأن فاقد الشيء لا يُعطيه ،فمن باب المسؤولية يتوجب على الأحزاب المعارضة أن تقدم الحلول العملية مصحوبة بالمرونة في التفاهم حولها لتطبيقها أو بعض بنودها، لا أن تُصر على أنها كلها القسطاس المستقيم الأوحد. 
لا أستطيع أن أخفي قناعتي بأن حالة عدم الثقة المنتشرة حاليًا ونتائجها على المجتمع المصري تظهر جَلية في صورة تفتقر لثقافة الاختلاف، فالمختلف عنك قد يكون عدوك، أو وُجد ليحاربك لا ليتكامل معك، ليعزز هذا من الرؤية بانعدام وجود ثقافة اختلافٍ ناضجة تؤمن بالاختلاف وتتكيف مع رأي الأغلبية، وهذا المناخ من وجهة نظري طاردًا للعمل وللإنجاز، وفي وجوده لن تستقيم حياة المجتمع القائمة على التعددية في الرؤى والأفكار. وهو ما يتطلب أن نواجهه بحسمٍ في هذه المرحلة، وهي مرحلة يجب أن يتيقن الجميع من أهمية وجود الأحزاب المؤيدة والمعارضة فالنهوض بالمجتمع ليُلبي ويُشبع رغبات أفراده يتطلب تآزر الجهود المعارضة والمؤيدة على السواء، وهذا من وجهة نظري يتطلب أن نحارب الغلو في الاعتقاد بنظرية المؤامرة سواء تلك المدفوعة من قِبل المعارضة بأن الحكومة تعمل على إبادتها لتظل مسيطرة على الحكم، أو الأخرى المعتقدة بأن المعارضة مدعومة من الخارج لقلب نظام الحكم أو غير ذلك من التهم.
ورغم يقيني بأن فكرة الاعتقاد في نظرية المؤامرة تحمل تباينًا في الإيمان بها داخل التنظيم السياسي الواحد إلا أنها موجودة، ولكي نحاربها علينا أن نمنح أنفسنا قدرًا أعلى من الثقة في الآخر حتى لو اختلف معنا، وتلك الثقة سَتُعضَد مع ازدياد العلم والمعرفة والاطّلاع والتوعية، فالعقول الفارغة من المعرفة هي أكثر العقول تصديقًا بأوهام نظريات المؤامرة، وأكثرها سماحة وتقبلًا للآخر أكثرها علمًا ومعرفة.
ولنعلم أن هذا لن يكون بين عشية وضحاها فهو يحتاج لتجاربٍِ ووقتٍ لكي تستوعبه ثقافة المجتمع، وقد طرحته لكي يكون نصب الأعين ونحن في المرحلة الجديدة التي تمر بها مصرنا الحبيبة.
وأختم قولي بما نُقل عن الإمام الشافعي رضي الله عنه إذ قال "ما ناظرت أحدًا إلا قُلت: اللّهُمَّ أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني، وإن كان الحق معه اتبعته". 
هوامش
*1- كان هذا خلال زيارته لميلووكي، ويسكنسن، شمال الولايات المتحدة، في السادس من سبتمبر لعام 2010، انظر هـــنــــــا
*2- انظرtru TV من هــنـــــا

هناك 4 تعليقات:

  1. فالعقول الفارغة من المعرفة هي أكثر العقول تصديقًا بأوهام نظريات المؤامرة، وأكثرها سماحة وتقبلًا للآخر أكثرها علمًا ومعرفة.

    =====================================

    لا تعليق يا بني لا تعليق

    ردحذف
  2. لسة شوية علينا لما نفهم الديموقراطية

    ردحذف
  3. ولهذا يمر الشعب المصري الآن بمخاض تجربة لم يعد لها مسبقاً حتى يمكن الحكم عليها ، إنما الباب مفتوح على كافة الاحتمالات والتي أبرزت شعور عام بحرية الرأي والنتائج تحكمها آليات تضبط الصوت الانتخابي كما يجب ، وبالله التوفيق .
    طرح موفق أخي الكريم .

    ردحذف
  4. دائما بعد الثورات يصعب الاسقراار علشان الارض بتكون زلزلت وبالتالي تحتاج لوقت علشان تثبت
    ربنا يهدي النفوس ويقضي على الفتن
    تحياتي

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد)

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.