السبت، 26 مارس، 2011

شِد الحزام على وسطك !!

قد تعتريكم الدهشة من هذا العنوان الذي سُقته لهذا المقال، أنا مثلكم أصابني ما أصاب بعضكم حينما سمعت تلك الجملة والتي سِيقت كمطلع أغنية للفنان سيد درويش، وحيث كان هذا الموقف وقت أن كنت طالبًا بالمرحلة الإعدادية فلم أجد في دنيتي الصغيرة حينها سوى والدي لأوجه له هذا السؤال: ما هذا ؟
فرد عليّ قائلًا " غنى الفنان سيد درويش هذه الأغنية في بداية القرن المنصرم أي منذ حوالي مئة عام - أكمل الوالد حديثه قائلًا: قديمًا كان العمال وتحديدًا الشَيالة يحملون الحمولة على أكتافهم ويربطون حزامًا على ظهورهم لكي يَصلب من عزمهم أثناء ممارستهم لهذا العمل الشاق ووقتها غنى سيد درويش لهؤلاء الكسالى " شِد الحزام على وسطك غيره ما يفيدك، لابد عن يوم برده ويعدلها سيدك، إن كان شِيل الحمول على ظهرك يِكيدك أهون عليك يا حُر من مَدّت إبدك "

وعلى مدار السنوات الماضية التي تلت هذا الموقف وحتى الآن وأنا في حالة استعداد وإدراك ذهني مُتقِد لوضع العمل وسوقه في مـصر، ولكي أبدأ في عرض الوضع الحالي الذي تحياه مصر خلال فترة زمنية قد تزيد عن عقدٍ بقليل، يتوجب عليّ أن أرصد لحضراتكم وضعًا آخرًا سبق تلك المدة الزمنية، وهو الوضع الذي بدأ مع بداية ثورة 23 يوليو وظل لسنواتٍ ليست بالقليلة في عهد الرئيس السابق مبارك.
حيث كان الفكر الاقتصادي الذي تنباه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر فكرًا اشتراكيًا فقد ترك هذا آثارًا أراها سلبية على الوطن وأجياله المتعاقبة حتى الآن، فلما كان الشاب يتخرج من مرحلة تعليمه النهائية أجاد أو لم يُجِد في تحصيله ليجد مقعدًا للعمل محجوزًا له، سواء كان هذا المكان أو المؤسسة التي تحتوي هذا المقعد تحتاجه بالفعل أو لا، فأمر مدير هذه المؤسسة لم يكن ملكه، حيث تحولت من ضمن مئاتٍ غيرها لمؤسسات قطاع الأعمال العام الذي كان يُدار وقتها وفق منهجٍ ينص على أن الدولة هي المالكة الأولى لكل المصانع والمؤسسات، وهي المُنظمِة والمديرة والمدبرة لكل تفاصيل هذه المؤسسات، وحيث خرجت ثورة يوليو بحصيلةٍ لا بأس بها من الأموال نتيجةً لقرارات التأميم فقد استطاعت أن تظل لسنواتٍ تدفع فاتورة الخسارة التي نتجت عن هذا السلوك والذي رسخ فكرًا وثقافة مجتمعية شاملة مفادها التواكل.
الحديث هنا لا يجب أن يؤخذ على أنه انتقادٌ لقائد وفريق عمل له من المحاسن والإيجابيات ما لن تنساه ذاكرة الوطن أبدًا، لكنه حديثٌ يهدف لتصحيح وتصويب رؤية وثقافة فرضتها التجربة.

أعود لأقول أن هذا الفكر الاشتراكي الذي رسخ في المجتمع أن الوظيفة هي وظيفة حكومية في الأساس رَاكَم من أخطاء تمثلت في وجوب توفير القطاع العام للدولة فرصة عمل لأي خريج في أي مكانٍ به حتى لو لم تكن في تخصصه، حيث كان ينتظر الخريج جواب التعيين غير المشترط استحقاقه إلا بالحصول على الحد الأدنى من درجات النجاح فقط حاملًا إياه له ساعي البريد لمقر سكنه ليُمثل هو الآخر قدحًا مرًا تجرعته ثقافة المواطن في الوطن، وسأسترسل في عرض النتائج السلبية لهذا النظام الاقتصادي في صورة نقاط :
1. تحميل قطاع الأعمال العام عمالة لا يحتاجها بل في أحيانٍ كثيرة عمالة غير مناسبة لتخصص المؤسسة المعنية والتابعة لقطاع الأعمال العام.
2. هذا بدوره أفقد الخريج القدرة على الابتكار والإبداع إذ أنه يعمل في تخصصٍ ليس له من أمره شيء.
3. مع مرور الوقت والزمن نتج عن هذا منتجٌ غير مثالي ورديء مع العلم أن هذا لا يُعني أن الصورة كانت قاتمة إذ كانت ومازالت هناك مصانع ومؤسسات تُمثل علامة فارقة في تاريخ الوطن بكل مفرداتها مثل مجمع نجع حمادي للألومنيوم على سبيل المثال.
4. عَضد هذا إجمالًا من نمط سلبية المواطن تجاه الاعتماد على الذات وهو ما رَسخَ من ثقافة التواكل في المجتمع كما أشرت سابقًا.
ولقد ظل نمط التعيين الحكومي بحالته السابقة هو السائد في المجتمع حتى ما يزيد عن الخمسة عشر عامًا منذ تَولِي الرئيس السابق مبارك الحكم حتى ترهل قطاع الأعمال العام وصار في حالة سقمٍ شديد، وتزامن مع نهاية تلك المرحلة بداية مرحلة أخرى لتحرير الاقتصاد المصـري في بداية التسعينات واستمرت بصورة تدريجية خطط الخصخصة للمصانع والشركات، وكذا الحد من خطط التعيين الحكومي.
لا شك أن الحد من التعيين الحكومي أثارَ موجة غضب إذ خلق مناخًا وظيفيًا غير مستقر لشرائح عمرية نشأت وتَرَبَتْ على هذا النمط الذي استمر لقرابة النصف قرن، وعضد من هذا خطط الخصخصة التي صاحبها مشاكل جمة تعلق بعضها بفسادٍ في عمليات البيع أو سوء تقدير لثمن الصفقة وشروطها، وكان من نتائج هذا أيضًا تسريح الكثير من عمالة المصانع المخصخصة مما ضاعف من حجم البطالة لشرائح عمرية أخرى خرجت في سن المعاش المبكر، ليس هذا فحسب بل إن الفشل صاحب إدارة بعض المؤسسات المخصخصة وانهارت لتغلق.

هذا هو الجانب السلبي لكن ماذا عن الجانب الآخر المضيء ؟

قبل الإجابة عليّ توضيح وظيفة الدولة الحديثة كما رَوج لها أنصار السوق الحر والرأسمالية حيث تنحصـر في مفهوم: الدولة الحارس ، والمقصود بالدولة هنا أجهزتها التنفيذية والتشريعية والقضائية، وهو توضيح هام إذ يلعب القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني الدور الأكبر في عملية الاستثمار وتوفير فرص العمل وعلى أجهزة الدولة السابق ذكرها توفير المناخ التشريعي والأمني والاستثماري للمستثمر والعامل لكي تستفيد المنظمة بكاملها ( الحكومة، المواطن والمستثمر ) وهو المثلث الذي يُشكل واقع الاقتصاد الوطني في النهاية ويُعبَر عن نجاحه بدرجة الرضا الوظيفي لدى الأفراد لكنه فعليًا غير موجود لدى شريحة سكانية، أتوقع أنها كبيرة جدًا حسبما تشير استطلاعات الرأي المختلفة، ولهذا تفسـير، سأعود له بعد طرح الجانب المضيء من تبعات التحول للسوق الحر:
القيمة الأهم من وجهة نظري تكمن في استثارة وإذكاء روح الاعتماد على الذات من قِبل الفرد في الحصول على فرصة عمل وهذا يتطلب توفر مهارات خاصة لأنه حينما سيتوجه لصاحب العمل لن يجد الطريق مفروشًا بالورود بل عليه أن يُثبت نفسه كصاحب مهارة، وهنا علينا أن نتحدث عن قصور في النظام التعليمي لا يؤهل الفرد لتملك هذه المهارة المناسبة لسوق العمل، ولأن الحديث عن تطوير النظام التعليمي وظهور نتائجه جلية يتطلب الصبر لسنواتٍ قد تمتد إلى ما بين عقدين لثلاثة فعلينا أن نلتمس خطوات مؤقتة قد تُساهم في تقويم الوضع المختل، وأرى أن الإشادة واجبة هنا للقرار الذي ألزم الجامعات بعدم إصدار شهادة التخرج للطالب إلا بعد اجتياز اختبارات شهادة ICDL *1 بنجاح.
وهي مبادرة رغم قيمتها إلا أنها لا تكفي وعلى الخريج أن يستثمر مبادرات أخرى سيعتمد فيها على نفسه بعض الشيء ومنها الحصول على المنح التدريبية التي توفرها مجانًا وزارة الاتصالات في شتى مجالات الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، وكذا هناك فرص التدريب التحويلي المختلفة والمجانية التي تسهم في توفيرها مختلف أجهزة الدولة.

لقد تحدثت عن فكرة التدريب واستهلاك المزيد من الوقت في التعلم بعد التخرج، وهو أمر له مردود سلبي على فردٍ قد يكون تخطى العشرين بعدة سنوات ولم يعمل بعد، لكنها ضريبة لابد وأن تدفعها أجيالٌ حتى يستقيم الوضع.
وهناك جوانب أخرى مضيئة في نظام السوق الحر مثل توسع الاستثمارات وتنوعها وتغطيتها لمجالاتٍ كانت من المرفهات ويصعب على الدولة الاستثمار فيها، وكذا تنوع الفكر الإداري لتلك المشاريع وهو ما يدفع بقدرٍ كبيرٍ من الأمان إذ أن النمط الواحد الذي كان يسير عليه القطاع العام لم يكن متاحًا له هامشٌ للمناورة فإما المكسب لكامل القطاع أو الخسارة لكامله، عكس الوضع الحالي.
وأيضًا هذا دفع بجودة المنتَج إذ أن مجال المنافسة داخل السوق الحر لا يسمح بالبقاء إلا للأقوى، والأقوى في الغالب يكون الأفضل وفي هذا مصلحةً للمستخدم النهائي للمُنتَج.
وبالطبع مع تعاظم الاستثمارات توفرت فرص العمل وزادت فرص الترقي، وزيادة الدخل المرتبطة بزيادة الإنتاج، وفي النهاية زادت قيمة الضـرائب المحصَلة والتي بدورها تُنفق على مشاريع الدعم والبنية التحتية والأساسية ومشاريع يصعب على القطاع الخاص أن يستثمر فيها بنمطِ الدعم الذي يتناسب مع الشرائح الأقل دخلًا.
ورغم كل هذا فواقع الرضا الوظيفي في المجتمع المصري يُناقض واقع النقاط المضيئة للسوق الحر، حيث ظلت مشاكل العمالة في بعض المؤسسات المخصخصة، وهو ما حدا بالجهاز التشريعي للدولة أن يشرع مؤخرًا قانون (امتياز حقوق العمال)*2 ليعالج الثغرات التي أفرزتها تجربة الخصخصة وفي هذا يظهر دور مفهوم: الدولة الحارس، وكذلك ظلت قدرة الفرد الذاتية على إيجاد فرصة العمل أو المُضي في الاستقلال الوظيفي بنفسه قليلة نسبيًا، ولعل هذا تفسره التجارب الشخصية لي حيث حرصت أثناء رئاستي لاتحاد الطلاب إبان دراستي الجامعية أن أنظم ندوات ولقاءات تجمع طلاب الفرقة النهائية برئيس الصندوق الاجتماعي للتنمية*3 بمحافظتي، ورغم الحوافز الكثيرة الممنوحة من الصندوق لشباب الخريجين مثل التمويل المادي بدون فوائد أو أحيانًا بفائدة زهيدة، والإعفاء الضريبي ومزايا التسويق والتدريب على المشروع قبل البدء فيه، وتوفير دراسات جدوى مجانية له - أقول أنه رغم هذا كنا نجد سلبية كبيرة من الشباب لمقابلة عروض الصندوق الاجتماعي رغم أن أغلبهم لا يعمل ولا يُوجد ما يلوح في الأفق بتوفر فرص كسب طيبة له، وهذا يُعضد الرؤية السابقة لي بالآثار السلبية التي تركها النظام الاشتراكي على المواطن المصري متمثلةً في عدم رغبته بالاستقلال الوظيفي أو السعي نحو إيجاد فرصة العمل المناسبة لمهارته وقدراته والتي تسمح له بالترقي والإبداع والابتكار.

وأحب هنا أن أشير لتقريرٍ صدر عن معهد بروكينجز*4 الأمريكي في الثاني من شهر مارس لعام 2010 شارك في إعداده سامانثا كونستانت المديرة المساعدة لبرنامج مبادرة الشباب في بروكينجز، حيث أشار التقرير إلى أن البطالة الإجمالية ليست مرتفعة جدًا في مصر وهي بشكلٍ عام في تراجع على مدار السنوات الماضية حيث سجلت معدلات البطالة 16.7% خلال عام 2009، وهو انخفاض كبير مقارنة بنسبة البطالة التي بلغت 25% في عام 1998.
كما أشار التقرير إلى أن العمالة الرسمية في سوق القطاع الخاص محدودة جدًا ولا تواكب التراجع الكبير في العمالة الملحقة بالقطاع الحكومي والتي أرى شخصيًا أنها على الرغم من شُحها إلا أنها أصبحت في الغالب حسب الحاجة الفعلية.

ولم يغفل التقرير الجانب السلبي للقطاع الخاص في مصر حيث مازالت هناك سلبيات قائمة بتراجع الدور الرقابي الحافظ لحقوق العاملين خاصة هؤلاء الملتحقين بمؤسسات صغيرة بعيدة عن أعين رقابة الأجهزة الحكومية المختلفة وعلى رأسها وزارة القوى العاملة، وشخصيًا أرى أن المواطن يتحمل جانبًا من هذا لأن السلبية المتراكمة في ثقافة المواطن دفعته لعدم الحرص على توثيق عقد عمله مع المؤسسة الخاصة وبالتالي يُلزمها ويلزم نفسه بكافة الحقوق المتبادلة التي ينص عليها قانون العمل المصري*5 والصادر برقم 12 لسنة 2003.

وأستخلص من حديثي السابق أننا في العقدين الأخيرين كنا نمر بمرحلة انتقالية وستظل بالرغم من أحداث ثورة يناير الأخيرة والتي أتوقع ألا تغير من تأصيل التوجه نحو السوق الحر، وإلى أن تتغير ثقافة المجتمع لتكون أكثر إيجابية في الاعتماد على الذات علينا أن نكثف من حملات التوعية بمزايا العمل الحر وبالحقوق والواجبات التي تكفلها التشريعات المختلفة الحاضنة لهذا السوق ونتحمل ضراوة المقاومة لهذه الحملات فليس من اليسير أن نغير ثقافة مجتمع استمرت قرابة النصف قرن بين عشيةٍ وضحاها.

وأختم حديثي متوجهًا لأفراد المجتمع: بأنه إذا كان الرضا الوظيفي أَوْلَى أولوياتكم فإن الإيمان المطلق بوجوب المبادأة الساعية للعمل من الفرد ذاته هو الحد الأدنى لثبوت أولوية التقدم المجتمعي وبالتبعية الرضا الوظيفي.

هوامش 
*1- شهادة الرخصة الدولية لقيادة الكمبيوتر، www.icdlegypt.gov.eg
*2- انظر جريدة المصري اليوم، 14 يونيو 2010
*3- انظر موقع الصندوق الاجتماعي على الإنترنت، www.sfdegypt.org
*4- معهد أمريكي عريق للدراسات الإنمائية، www.brookings.edu
*5- انظر قانون العمل المصري، www.egypt.gov.eg/arabic/laws/labour/Law_12/F_worklow_law12.aspx

هناك 4 تعليقات:

  1. نشدوا يا أحمد وماله يا ابني

    يارب يقدرنا جميعا ونعدي مرحلة شد الحزام يارب

    ردحذف
  2. ربنا يعدينا من ازمتنا على خير سواء اقتصاديا او امنيا

    ردحذف
  3. ااااااه والله انكسر وسطنا من شد الحزام هو الغلبان دايما لازم يشد الحزام
    والمرتاح يعمل ايه يفكو؟؟؟
    تحياتي

    ردحذف
  4. الفاضلة: كلمات من نور
    لازم نشد ونبذل الجهد لأن الاعتقاد بإن الثورة هتخلق شغل على طبق من ذهب لكل عاطل وهم ويجب توضيحه للجميع وربنا يفرجها يا رب على الكل

    ===========

    الفاضلة: نهى صالح
    يا رب ، يا رب

    ============

    الفاضلة: شهرزاد
    وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

    يجب أن نثق في الله، ربنا بيقول: إن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا
    وإن وجدت حالات فاسدة نعالجها ولكن العلاج لا يكون بالركون للكسل أو انتظار التعويض من المرتاح الفاسد

    ربنا يقدر الجميع على فعل الخير يا رب وينصر بلادنا

    ردحذف

(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد)

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.