بداية أشكر الجميع على التعضيد والدعم المعنوي إبان طلبي للراحة في تدوينتي السابقة، لكن الحقيقة أنني لا أستطيع الفكاك من بعض الأدوار مهما كانت الظروف :
- أتمنى أن أكف عن متابعة الأخبار لكن لا أستطيع
- أتمنى أن أريح عيني وتفكيري قليلًا ولو ليومٍ واحدٍ، لكن لا أقدر
أفكر أن أقول فيمن يُصيح مع الصياح ويسكت مع السكوت وهو لا يعرف لماذا أتى الصياح ولماذا ذهب ؟! - أقول أني أتمنى لهؤلاء أن يعرف الصمت والتدبر طريقهم
لا أحب أن تدير العاطفة وحدها أسلوب تفكيري، أحب التمهل ولو كان طريقه أبعد، وليس هذا معناه الكسل فنشاطي لا يستطيع كبح جماحه سوى المرض بإذن الله كنوبات ضيق التنفس التي لازمتني الفترة الماضية وقد بدأ الوضع في التحسن والحمد لله، وأعود لأقول: أن التمهل عندي هو تدبر العقل في الرد أو اتخاذ القرارات الحاسمة خاصة إن كان تحليلي للموقف يرى نقص الرؤية لمعطياته .
تحليلُ الموقف بالنسبة لي يعتمد في أول خطواته على رصد المعطيات ومعرفة مصدرها الصحيح بدقة تامة، فلا أستقي معلومة إلا من مصدرٍ دقيق، بل أحيانًا أحب تعديد المصدر لذات المُعطى زيادة في الحرص، وأول طرحي على من يتعرض للفتيا بالتحليل في الموقف محل النقاش: ما مصدرك ؟
يغضب من يغضب ... لا يُعنيني: الأهم أن أصل لمعلومة دقيقة
حينما أحادث البعض من المعارضة أو الحزب الحاكم أو من الشريحة العظمى للمستقلين وأذكرهم بواقعة حديث الإفك: يغضب وكأني أشكك في ذمته حتى مع محاولتي لطرح سؤالي بلطفٍ بالغٍ يُزيح الإحراج عن صاحبه
أتذكر حادثة الشاب قتيل الإسكندرية والذي أثبت التقرير النهائي للطب الشرعي أنه تعرض لتعذيب لم يكن السبب في موته (وأنا مع محاسبة الجاني)- أتذكر وقبل صدور التقرير النهائي أني كنت أسأل كل من يدعوني للثورة: هل رأيت التعذيب بعينك ؟ أو هل سمعت من شخصٍ رأى وشاهد ويعتبر أهلًا للثقة ؟ فيقول لا ، فأستعجب لماذا إذًا تثور وأنت لم تشاهد ولم تعرف ؟!! فيدعي أنني أناور موالاة للحزب الحاكم الذي أنتمي له
هذا كان يحدث مع الكبير والصغير، حتى أنه يفترض سوء النية لإثبات موقف بطولي له، أين العقل والحكمة في إدارة المواقف يا قوم ؟!
لا أتحدث عن قضية الشاب كموضوع للنقاش ولكن أناقش فكر وإدارة الموقف
وإن كنت أقول أن الشباب فتوة، والحماس يغلب على سلوكه ويدفعه لردود الأفعال السريعة، فلماذا ينتهج الكبير هذا السلوك أيضًا ؟!
لازلت أتذكر أن أحد المسؤولين الكبار كان على موعدٍ معنا في معسكر إعداد القادة المتميزين بالإسكندرية منذ سنواتٍ، وسَرَت إشاعة في الصحف الصادرة صباح يوم موعدنا معه بأنه على فراش المرض، والمدهش أنه التقى بنا في ذات اليوم، تخيل أنت ما الحادث لو لم يكن اللقاء المحدد موعده مسبقًا ؟!
ألم ينبهنا العزيز الحكيم في كتابه لذلك إذ قال:
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } [سورة الحجرات]
خلاصة القول
من يحصل على معلومة ويريد أن يُتبِع هذا بردِ الفعل المناسب من وجهة نظره فعليه كخطوة أولى: أن يبحث بأمانة ودقة عن مصدر معلومته ليحصل على المعلومة الأمينة ويَلي هذا: التدبر في تحليل الموقف ليتخذ القرار المُتمَهِل الحكيم .لا أحب إدعاء الحكمة، لكن أستطيع الزعم بأنني أجتهد في نَهج هذا الطريق وهذا السلوك .
وعليه فالغالب عليّ هو الصبر والتمهل في إصدار القرارات خاصة تلك غير واضحة الأبعاد، بيدَّ أن الصبر قد لا يكون طوال الوقت للتمهيد لاتخاذ القرار بل ربما يكون لأن كل مبادراتي لحسمه قد نفدت، وعليه فانتظار الحسم من السماء يكون مقصدي الأول، والله لن يُضيعني بإذنه .