أزعم أن غالبية أفراد هذا الوطن من أي حزب كان أو فصيل عقائدي تُحب هذا الوطن وتُخلص له، وتُشاهد في إدارتها له طريق الخلاص والرقي، وربما حتى يروق لأحدهم بعض الأنماط الديكتاورية ظنًا منه بأنها الأصح للوقت والزمان الحالي، وأنا شخصيًا كنت أقتنع بحدودٍ معينة بسياسة المستبد المستنير وربما يكون أشهر من تنطبق عليه تلك النظرية الملك فريدريك الثاني الكبير، وربما تتوافق تلك النظرية مع ما نسميه لدينا في الخدمة الاجتماعية بالنظام الأبوي. ربما جانبني الصواب وربما لا- كل ما أعرفه الآن أن عقيدتي وأنماطي السلوكية كانت نابعة من حبي لهذا الوطن.
لكن دعوني الآن أوجز أسباب المشكلة الحقيقية التي تحياها مصر من وجهة نظري والتي لها دلالات على قناعاتي الأخرى:
فمصر دولة عظيمة وتستحق ريادة ليست ملكها الآن، وهذا يستحق العمل والجد والمثابرة والتضحية، وهذا بدوره يتطلب ثقافة عاملة قادرة على النهوض بنفسها، لكن هيهات ! فالواقع أننا لا نملكها وإن كانت الغالبية تدعي هذا، وبالطبع هناك استثناءات لكن الشاذ لا يُقاس عليه، وثقافة المجتمع كان يمكنها أن تنهص بعد ثورة يوليو لكنها وللأسف كانت كالمقصلة التي عضدت من فكر التواكل وأهل الثقة ونظرية أن الدولة مسؤولة عن المواطن من المهد إلى اللحد، وهو ما تحدثت عنه من قبل بمثالٍ دقيق وجَليّ هـــنــــا، فأصبح التغيير مطلبًا لا مِراء فيه، وهو يتطلب آليات التدرج فتغيير ثقافة الشعوب من أصعب ما يكون والله سبحانه وتعالى حينما حرم الخمر حرمه على ثلاثة مراحل ليستوعبه الناس، وعليه سأتناول ما على النظام الاشتراكي الذي طُبق في مصر إبان الرئيس الراحل جمال عبدالناصر باستفاضة في مقالاتي القادمة.
لكن كيف يكون الإصلاح ؟
من وجهة نظري أننا كنا بحاجة لنقلة نوعية لنظام اقتصادي واجتماعي أقرب للرأسمالية والذي أراه أكثر عدالة، وتلك النقلة يجب أن تكون تدريجية فالانتقال السريع من الاشتراكية للرأسمالية سيُفضي لكوارثٍ مجتمعية، ومعه كان يجب أن ننتقل من ثقافة الحزب الواحد للتعددية الحزبية لنضمن إصلاحًا سياسيًا وديمقراطيًا، لكن هل المجتمع المصري بالفعل يملك الأهلية لممارسة الديمقراطية ؟
وللإجابة على هذا السؤال يجب أن نرصد بعض المعطيات:
- وجود نسبة عالية من الأمية في المجتمع المصري
- سيطرة العصبية القبلية والعائلية على الصوت الانتخابي
- سيطرة العاطفة وبشدة على قراراتنا
ومن العاطفة مثلًا أنه لو قام أحد الناس بالدعوة لرأي باستخدام لغة الدين لانجذب الغالبية سريعًا له، وربما يكون الرأي بعيدًا عن الصحة والصواب، ولهذا علاقة بالجهل والأمية أيضًا.
وعليه فلو فتحنا الباب لديمقراطية حقيقية لرأينا أحزابًا وفرقًا وجماعات على كل الأشكال والألوان، وليس في هذا مشكلة فالاختلاف سنة كونية والله يقول في كتابه:
(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) [هود:119،118]
لكن المشكلة في أن تقوم الأحزاب على أساس طائفي أو ديني والتجارب من حولنا تكشف عن حجم المعاناة، فالعراق ليس بعيدًا عنا، ومشهد حزب الله في لبنان يقتل أي أمل في حزبية دينية، وكلما اختلفت الفرق السياسية هناك تحدثت لغة السلاح الخاص بحزب الله، وحتى مع الفرق الدينية الأقل تعصبًا مثل جماعة الإخوان لا تَمنحني أي بادرة للاقتناع بها فالحزب الحاكم في السودان أتى بانقلاب عسكري من رحم جماعة الإخوان وحركة حماس قبل أن تصل للسلطة نالت دعمًا جماهيريًا واسعًا من الشعب الفلسطيني وبعد أن وصلت للسلطة تغير الوضع كثيرًا فانقلبت على شركائها ورفضت ومازالت: إجراء أي انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة في فلسطين.
حسنٌ: لدينا في علم الخدمة الاجتماعية نقسم المجتمعات لأنواع وشرائح والمجتمع القادر على اتخاذ قراره بنفسه ليكون في الغالب لصالحه والوطن هو مجتمع الجماعة المنظمة ويناسبه النظام الديمقراطي، وهناك المجتمع غير القادر على اتخاذ قراره السليم بنفسه ويناسبه النظام الأبوي (الأوتوقراطي) وهو ما أتصور أن القيادة السياسية السابقة كانت تطبقه وأنا شخصيًا على قناعة به مع اختلاف على بعض الأدوات هنا وهناك
المهم: أن قناعتي كانت تقول بأن علينا أن نقطع شوطًا في الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي أولًا، ومن ثم ننتقل لتدرج في الإصلاح السياسي لأن تغيير الثقافة والمفاهيم لن يحدث إلا مع حياة اقتصادية واجتماعية طيبة، وعليه فكان من الممكن أن أتغاضى عن تأخر الإصلاح السياسي والديمقراطي في مقابل الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي
لكن هذا ليس معناه قبولي مثلًا بممارساتٍ تعذيبية من قبل قياداتٍ أمنية وما كان يكشف عنه للإعلام وتثبته التحقيقات كنت أدينه بحزمٍ وبطبعي أمقت العنف بكل أشكاله، وما كنت أركز عليه شخصيًا اتجاهيّ الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي وأزعم أن إصلاح السياسات المالية تم بشكلٍ أشادت به مختلف المؤسسات المالية العالمية، لكن في المقابل لم تكن السياسة الاجتماعية بنفس السرعة لكنها كانت قائمة خاصة في الموجة التشريعية الأخيرة، حيث شُرع العام الماضي قانونيّ التأمينات الاجتماعية الجديد والضمان الاجتماعي، وخلال الدورة التشريعية الجديدة لمجلس الشعب المُنحل كانت ستخرج جملة من القوانين المعنية بالاصلاح الاجتماعي مثل قانوني التأمين الصحي الجديد والوظيفة العامة الجديد وحسب مسوداته التي اطّلعت عليها وعُرضت لنقاشٍ واسع على المجتمع كان سيعالج اختلالات الأجور والهيكل الإداري للدولة، وأيضًا أشدد على عدم قبولي لحالات الفساد المالي التي كُشف عنها فهي مرفوضة جملة وتفصيلا، ومع الإيمان المطلق بضرورة حسابها الأمس وبعد الثورة فعلينا الإيمان بنظرية الممكن والمُتاح فمن خلال متابعتي للوضع العالمي خلال العامين الماضيين انهارت اقتصاديات العديد من الدول مثل اليونان والبرتغال وإسبانيا، وظل الوضع العام في مصر متماسكًا ولم يحدث أن أفلس أي بنك مصري على سبيل المثال أو خُفضت رواتب حكومية مثلما حدث في بريطانيا مثلًا.
وسبق وتحدثت عن الإصلاحات التشريعية منذ عام مضى، ورغم قناعتي بأنها لا تكفي لكن أيضًا كنت أُصر ومازلت على أن أي خطوة إصلاحية مباشرة وسريعة لن تؤتي ثمارها مادامت ثقافة المواطن ذاته مازالت تعيش في رحاب الاشتراكية وآثارها السلبية، وكما يقول الشاعر: إنّ الرياحَ إذا اشتدتْ عواصفها ** فما تضرُّ سوى العالي من الشجرِ
النظريات تختلف وكل فرد يحاول أن يجتهد بنظرياته لإيجاد الأصلح وقد حاولت واجتهدت وأعرف أنه لا يوجد هذا القرار السليم تمامًا فكل له ما له وعليه ما عليه، وعلينا دائمًا أن نوازن بين المكاسب والخسائر وعليه كان قراري برفضي للثورة.
لماذا رفضت الثورة ؟
أحب أن أقرأ في التاريخ وأتعلم منه والتاريخ الحديث يقول: أنه ما من ثورة إلا وكانت لها تبعاتها السلبية، فمثلًا: قام الشعب الروسي بثورة عام 1917 وبعد ذلك سيطر عليها البلاشفة
وثورة أحمد عرابي وسعيه للكفاح الثوري وعدم قبوله بالحلول الوسط التي كان ينصحه بها معلمه: علي باشا مبارك أدت في نهاية الأمر للاحتلال الإنجليزي لمصر
والثورة الفرنسية قُتل فيها آلاف، وظلت لعشر سنوات، ونعمة الأمن مقدمة عندي على الديمقراطية والصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم يقول:
(( نعمتان مجحودتان: الصحة في الأبدان والأمن في الأوطان ))
والحياة الديمقراطية تأتي بالتدرج فحزبيّ أمريكا قاما بعد ثمانين عامًا من الثورة الأمريكية، والقراءة الشخصية لي ولنخبٍ كثيرة داخل الحزب كانت توحي بأن إصلاحات سياسية واسعة مؤجلة للفترة الرئاسية القادمة.
هل نجحت الثورة ؟
ليس من الحصافة أن يقول أي مخلوقٍ الآن أنها نجحت أو فشلت، وربما تزيل مفسدًا ليأتي آخرون مثله أو أشد وربما لا، لذلك أتصور أن علينا أن نصبر لشهورٍ وربما لسنواتٍ لنُقَيم آثارها بموضوعية.
هل أتمنى نجاحها ؟
الزمن لن يعود إلى الوراء وما أتمناه حاليًا أن تنجح الثورة لأجل مصر فكل النظم تُسخر لخدمة الشعوب وإن كانت تلك الثورة ستعود بالخير على الوطن فأهلًا بها، وأتمنى هذا من كل قلبي.
ما الذي أحمله لمبارك ؟
سألني أحد الزملاء منذ شهورٍ عن رغبتي في المرشح القادم لرئاسة مصر، فقلت له لا أتمنى أن يدخل الرئيس مبارك مرة جديدة، فاندهش وقتها بشدة، فقلت له الرئيس مبارك كبر وأدى ما عليه ويجب أن ننتقل لمرحلة جديدة بها حيوية كتلك التي بدأ بها الرئيس السابق مبارك، والحق أنني شخصيًا كنت سأدعم أي مرشح يرشحه الحزب الوطني احترامًا واجتهادًا في الممارسة الحزبية السليمة، لكن عن وجهة نظري في مبارك فقد حملت له مطلق التقدير على تاريخه العسكري ولو حاول البعض تشويهه ولست مع تهويله لكنه بحقٍ صاحب تاريخ عسكري مشرف كغيره من قادة العسكرية المصرية، والأمر الآخر أنني بالفعل أعتز به كقائد مدني أعطى واجتهد وفي عهده عُمرت مصر ببنية تحتية وأساسية عملاقة وكما له فعليه، وشخصيًا لن أدافع عنه إن أثبت القضاء مشاركته في فسادٍ مالي، ولا أعفيه الآن من مسؤوليته المباشرة وغير المباشرة عن سوء الاختيارات، لكن أيضًا لا أستطيع نسيان هذا الرجل الهرِم الذي قابلته عام 2005 بإحدى قرى مدينة دسوق وقد قضى فترة تجنيده تحت قيادة القائد العسكري مبارك ليكشف لي العديد من الجوانب الإنسانية في شخصية هذا الرجل. على كل حال كما قال التاريخ كلمته في الخديو اسماعيل على سبيل المثال ووضح ما له وما عليه سأترك الحكم على الرئيس السابق مبارك هو أيضًا للتاريخ.
القادم
أعلنت من قبل عن تركي للحزب الوطني وفعليًا كنت استقلت من موقعي التنظيمي فيه منذ ثلاث سنوات لكن بقيت عضوًا عاملًا طوال الفترة الماضية، وقد أتت استقالة أستاذي مؤخرًا من الحزب لتقف أمام أي فكرة للعودة إليه، ورغم قناعتي بأن الممارسة السياسية يجب أن تكون من خلال الأحزاب لكن قراري الحالي هو ترك الأحزاب والاهتمام بالتوعية والتثقيف السياسي عِوضًا عن الدور الحزبي وسألجأ للاهتمام بعملي الإعلامي الذي أهملته كثيرًا وضحيت بأكثر من فرصة لكي أضمن الحيدة لقناعتي السياسية التي عملت لأجلها تطوعًا وبدون أي مأربٍ خاص. والله أسأله الصلاح والهداية لي وللوطن