الضاد*1 وهُوية الوطن
يحتفل*2 العالم يوم الحادي والعشرين من شهر فبراير كل عام باليوم الدولي للغة الأم، وهو اليوم الذي يَرمز لفتح الشرطة النار في مدينة دكا عاصمة بنجلاديش حاليًا على تلاميذ خرجوا متظاهرين للمطالبة بالاعتراف بلغتهم الأم "البنغالية" كواحدة من لغتي البلاد الرسمية لما كان يعرف حينئذ بباكستان.
شخصيًا هزني هذا الأمر وسلبَ تفكيري لدقائق استعدت فيها بعض المشاهد التي حفرها التاريخ في صفحات عروبتنا، تذكرت كيف عمد الاستعمار قديمًا طمس هُوية أوطاننا بمحو كل ملامح اللغة العربية واستبدالها بلغة المحتل! ، فحاول ونجح في دول المغرب العربي بشكلٍ كبير مازالت تقرع أصداؤه أيامنا هذه ، وأضحت الفرنسية لغة أساسية في ولاياتٍ كثيرة هناك، وصار الولاء لكل ما هو فرنسي من شرائح كثيرة هناك أمرًا جَليًا. ولقد حاول المحتل الإنجليزي أن يَسلك ذات السلوك هنا في مصر لكن لم يستطع أن يخطو كثيرًا، ربما لأن غالبية الشعب المصري كانت تمتهن الزراعة وعاشت غالبية جموعه ترزح تحت نير الأمية في القرى بعيدًا عن مرصد المحتل اليومي، فلم يتقابل هذا مع خطط المحتل التي تحتاج لبديهة من المتلقي لا تتوفر غالبًا في الأمي، وكذا فقد كان لبعض الزعماء المخلصين للوطن دورٌ في الحفاظ على اللغة، فبعد أن تولى سعد زغلول وزارة المعارف قام بإلغاء المقررات الإنجليزية في مراحل التعليم الأولى واستبدل بها مقرراتٍ عربية، والسؤال : لماذا اللغة ؟
وربما تستقبلون تمهيدًا لإجابة جلية من خلال الفقرة الأولى ، وسأزيد بالتفصيل :
- في كل التاريخ البشري حينما أراد المحتل أن يُعضد من أركان دولته في مستعمراته كان يعمل على طمس اللغة الأم للرقعة المحتَلة من قِبله واستبدل لغته بها لكي يتيسر عليه نشر فكره ومذهبه ليذيب من لحمة الولاء للوطن الأم لتنصهر مع حضارته وليتحول الولاء له تدريجيًا، ومن شأن هذا أن يوفر أقصر الطرق لحماية أركان دولته المستعمِرة بتجنبيها المقاومة، إذ لا ضرورة لوجودها فيمن لا يتجذر فيه الولاء لهُوية مَنبته.
- ولأن اللغة هي التي تحفظ للشعوب حضارتها، وتكفل ضمان انتقال الإرث التاريخي للأجيال اللاحقة بتوثيقه من خلالها، وهو الدور الذي اضطلعت به اللغة الهيروغليفية مع الحضارة المصرية القديمة فأضافت للبنيان الباقي شاهدًا قيمًا ، أعود لأقول: لأن اللغة تضطلع بالدور السابق ذكره فقد تكالبت الشعوب على حماية لغتها من الطمس والتحريف لتكون هي المعبرة عن ماضيها وحاضرها في حاضرها ومستقبلها.
الآن وبعد جلاء المستعمِر عن بلادنا لم تنقشع عنا غُمة الاستعمار اللغوي، إذ خرج علينا ذاك المستعمِر صاحب الأبعاد الشكلية المتجذرة أصولها للوطن وتخضع أبعاده الموضوعية للمحتل حتى وإن كان لا يدري أو يقصد.
الحديث هنا عن المواطن الذي ينتمي للوطن ولغته الأم ويحارب لغته الأم، ووسائل وصور الحرب كثيرة ومنها:
- تغليب اللهجة العامية كلسانٍ للتحدث والكتابة حتى لو كانت مشتقة حروفها وأغلب مفرداتها من اللغة الفصيحة، لأنه لا قواعد ولا نظام تسير عليه اللهجات سوى الهوى الشخصي وهو ما يضعف اللغة الأم بنسيانها مع اعتياد اللهجة العامية.
- هذا التغليب أصبح في كل مناحي العمل والتواصل فحتى الإعلام المرئي والمقروء على السواء حذا نفس النهج وأضحى يقدم محتواه كبضاعة تُقَدم كما يهواها الشاري، والذي بدوره استساغ السليقة العامية الدارجة لعدم التزامها بالقواعد والنظم.
- ومن هول المأساة أن رأينا من ينادي الآن باعتماد اللهجة العامية كلغة رسمية للبلاد، بل سعى بعضهم مُدعمًا برأس المال لإنشاء قنواتٍ تلفزيونية جُل أدوراها لا تتم إلا عبر اللهجة العامية، رافضين في ذلك أي لسان يتحدث بالعربية الفصيحة عبر شاشتهم مُستندين -بباطلٍ- إلى أنها لغة الوطن، وأسموها في الموسوعات المعرفية*3 على شبكة الإنترنت باللغة المصرية.
والحقيقة أن اللهجات المحلية كانت موجودة منذ الجاهلية وكانت لكل قبيلة لهجتها الخاصة، لكن العربية الفصيحة كانت أساس التعامل بين القبائل ولغة الخطاب والأدب. ونقيض هذا هو الحادث الآن، إذ ربما يكون انصهار الداخلي مع الخارجي فيما يُعرف بالعولمة خاصة مع عصر الاتصال التقني عبر الإنترنت والفضاء قد روج للهجاتٍ محلية عامية مثل الشامية والمصرية بأعمالهما الفنية التلفزيونية لتكون العامية هي لغة التخاطب والحوار ولتتجرع لغتنا الفصحى قدحًا آخر مُرًا لم يَسقِه التاريخ الماضي لها.
- لم تقف وسائل المحاربة عند حد استخدام العامية، بل تخطت هذا باستخدام المناهج الأجنبية في المقرراتِ التعليمية العلمية لأغلب الجامعات المصرية بحجة أصالة العلوم للغرب والبقاء في مواكبةٍ للجديد فيها، مع العلم أن الغرب حينما نقل العلوم والمعرفة عن المسلمين في أوج ازدهار حضارتهم قام بترجمتها للغته ومن ثم أضاف لها، فلماذا لا ننتهج نهجه الآن؟!
- ويقف الآن على رأس تلك الوسائل العدوانية ما اصطلح على تسميته لدى هؤلاء : الفرانكو آرب، وهي لهجة استخدمت النطق العربي المحلي لتطبعه بحروفٍ لاتينية في خطوةٍ فاسدة تسير لتفسد النبت قبل حصاده.
ولعل من أبلغ الدلالات على تجذر المأساة ما رأيناه في افتتاح بطولة كأس العالم لكرة القدم لمن هم دون التاسعة عشر والتي نظمتها مصر عام 2009, حيث خرج ثلاثة مسؤولين مصريين لإلقاء كلماتهم آذنين ببدء البطولة، فكانت الصاعقة بأن الوحيد الذي نطق جملةً عربيةً واحدةً صحيحة هو رئيس الجمهورية آنذاك.
فصدق شاعرنا إبراهيم المنذر حين قال:
وكانت اللغة الفصحى معزّزةً ** تختال عجبًا بأقطاب وأعلام
واليوم لا كان هذا اليوم لست أرى ** في الشرق إلا الفؤاد الشّاكي الدّامي
تراطن القوم والحدثان فرّقهم ** فأصبحوا بين أعرابٍ وأعجام
لماذا اللغة العربية الفصيحة ؟
- بالإضافة لكونها الوعاء الذي حَوى تاريخ أقطارنا العربية بفنونه وعلومه وآدابه وحفظه من الضياع, فهي حاملة كلام الله وكتابه الخاتم المقدَس (القرآن الكريم)، وبدون إتقان بعض ألفاظها لن تستقيم بعض شعائر دين الإسلام الخاتم، كما أن هناك الكثير من الكنائس العربية تستخدمها في شعائرها ككنائس الروم الأرثوذكس، الروم الكاثوليك والسريان.
- تمثل الفصحى الكيان الذي نستطيع من خلاله كعرب أن نشد عود وحدتنا في كيانٍ اقتصادي له من مزايا الجغرافيا واللغة ما يتفوق على كياناتٍ أخرى شاهقة البنيان مثل الاتحاد الأوروبي الذي تحكمه عدة ألسنة لغوية.
- تنفرد اللغة العربية الفصحى بخصائص فنية لها من الجلال ما يضعها في مقدمة اللغات قاطبة ذوقًا وقيمة، وعلى سبيل المثال لا الحصر أضع منها:
أ- تمتلك اللغة العربية أوسع مدرج صوتي عرفته اللغات، حيث تتوزع مخارج الحروف بين الشفتين إلى أقصى الحلق.
ب- كثرة تعبيراتها، وسعة تراكيبها، وغزارة مفرداتها, إذ حسبما تشير المصادر ومنها ما قاله اللغوي والأديب المصري فاروق شوشه*4: "الخليل بن أحمد الفراهيدي افترض متوالية رياضية: عندنا ثمانية وعشرون حرفًا, فإذا كان كل حرف يتعامل مع بقية الحروف, فيُقدّر أن اللغة العربية في جذورها لابد أن لا تقل عن مئةٍ وعشرين مليونًا من الكلمات."، في حين أن اللغة الإنجليزية رغم اتساع نطاقها لم تصل مصطلحاتها بعد للمليون كلمة كما تشير مؤسسة «ذي غلوبال لانغويدج مونيتور*5» اللغوية الاستشارية، والتي تتخذ من مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأميركية مقرًا لها.
ت- وبإمكانكم الاستزادة عن خصائص ومزايا اللغة العربية الفصحى بمطالعة البحث المنشور*6 تحت عنوان: "اللغة العربية ومكانتها بين اللغات" للأستاذ الدكتور فرحان السليم.
وتحضرني كلمات الأستاذ أحمد حسن الزيات*7: "إذا سمعتَ أحدًا يتكلمُ غير لغته من غير ضرورة، أو يَلْهَجُ غير لهجته مِن غير مناسبة، فلا يخامرْك شك في أنه كذلك في خليقته وعقيدته، ونمط تفكيره، وأسلوب عمله."
ولكل ما سُردَ من أهمية ودواعٍ للحفاظ على لغتنا العربية الفصحى نطرق باب المواجهة بكل قوة ونقول: علينا أن نفيق وننتبه للخطر المحدق بنا وبهُوية الوطن من كل جانب، وسأعرض سُبل المواجهة كما يَتسنى لي رؤيتها:
- مع فضاء العولمة الذي أباح سُبل التواصل مع مختلف الحضارات بدون حدود، وهو ما سمح بعمليات الانصهار والاندماج للثقافات بدون حدود كذلك ومن نتائجه ما تحدثت عنه آنفًا بالفرانكو آرب، ولا أطالب هنا بغلق باب العولمة، لا لأنه ليس في الإمكان ذلك ولكن لأنه ليس من المعقول أن نصلح الخلل بخللٍ آخر بأن ننغلق على أنفسنا في عالمٍ لم تعد تفصل بين أقطاره المسافات، ولذلك علينا أن نركز على جهود التوعية في الأساس على النشأ البكر وهذا يكون في جماعة الأسرة إذ أنها هي المعقل الأول للتربية, وبصلاح منهجها يصلح النبت حتى وإن مرضَ فعلاجه يسيرٌ حينها.
- ومن ثم يكون دور المدرسة والجامعة, والأخيرة تحمل قدرًا ليس بالهين لأنها تكون على خط التماس بين دخول الفرد سوق العمل وتوجيه نمط عمله وشخصيته, خاصة مع اتساع رقعة النشاط الطلابي والتواصل الاجتماعي فيها والذي يُساهم في بناء شخصية الفرد. لذلك على الأمة أن تدفع بتعريب العلوم والمقررات بالمدرسة والجامعة، والتعريب لا يلغي أهمية دراسة اللغات الأجنبية، بل إن دراستها تُعد من ركائز الإصلاح للبقاء على تواصلٍ مع الآخر يُحيي العلوم ويُثري المعرفة الإنسانية.
- لابد أن ينشط دور أهل اللغة العربية في مؤسسات الدولة, فليس من المعقول أن يخرج منشور أو قرار مليئًا بالأخطاء اللغوية, لذلك نهيب بأنه إن كان ليس من العملي أن نشترط فيمن يتقلد المناصب القيادية في الوطن أن يكون لُغويًا فعلى الأقل ليكن في كل مؤسسة من مؤسسات الوطن مصححٌ لُغويٌ يراجع المذكرات والقرارات ومختلف المواد المكتوبة لتخرج على العامة في ثوبها اللائق بهُوية الوطن.
- وعن الإعلام فالوهن والسقم كساه من أخمص قدميه حتى رأسه، والعلاج بحاجة إلي وقت لأن كل مفرداته لا بعضها تحتاج إلى أن تكون في الصورة الصحيحة، وإلى أن يحدث هذا فعلينا الاهتمام بالحلول السابقة كأولوياتٍ تتوالى بعدها السبل المعاضدة لترسيخ هُوية الوطن الحبيب مصر، للحفاظ على تاريخه وعبقه وشخصيته المتفردة بإذن الله.
أحلم باليوم الذي يحرص فيه المواطن المصري -على وجه الخصوص- على اللغة العربية لأنها الدافع الرئيسي لحضارة العرب عبر كل التاريخ، وفي صلاح عودها قوةٌ ونهضةٌ للعرب جميعًا, أقول أحلم باليوم الذي يحرص فيه المصري على الولاء المطلق للغته العربية الفصيحة بوازعٍ من الخوف على الوطن من أن تَندثر هُويته باندثار لغته.
كما أعترف بأن القصور يملك لساني وقلمي العربي الفصيح أنا أيضًا، لكن يبقى أني مع اعترافي بالتقصير فأنا مؤمنٌ بجسامة الخطب، وأجتهد في تقويم قصوري لكي أكون ملتزمًا بالدعوة للإصلاح قولًا وفعلًا.
وأختم حديثي بقول أمير الشعراء أحمد شوقي :
يُجامِلُكَ العُربُ النازِحون ** وَما العَرَبِيَّةُ إِلّا وَطَن
وَيَجمَعُ قَومَكَ بِالمسلِمينَ ** عَظيمَ الفُروضِ وَسَمحُ السُنَن
وَأَنَّ نَبِيَّهُمُ واحِدٌ ** نَبِيُّ الصَوابِ نَبِيُّ اللَسَن
هوامش
*1 - هو الاسم الذي يطلقه العرب على لغتهم، معجم لسان العرب في مادة(ض و د)، www.lesanarab.com
*2 - موقع منظمة الأمم المتحدة، www.pfcmc.com/ar/events/motherlanguageday
*3 - موسوعة ويكيبيديا، www.arz.wikipedia.org/wiki
*4 - محاضرة للأستاذ / فاروق شوشه - أمين مجمع اللغة العربية بالقاهرة بعنوان : موقف المجامع اللغوية من خطاب اللغة العربية في الإعلام العربي - بتاريخ 18 ربيع الأول 1431هـ الموافق 4 مارس 2010م
*5 - موقع المؤسسة بتاريخ 10-6-2009، www.languagemonitor.com/news/1000000th-english-word-announced
*6 - توجد نسخة منشورة للبحث على موقع مجمع اللغة العربية المصري، www.arabicacademy.org.eg
*7 - لمعرفة المزيد عن الأستاذ حسن الزيات يُرجى زيارة صفحته على موقع الهيئة العامة المصرية للاستعلامات، http://www.sis.gov.eg/vr/figures/arabic/html/zeat.htm